الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا} (53)

قوله تعالى : " ورأى المجرمون النار " " رأى " أصله رأي ، قلبت الياء ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها ، ولهذا زعم الكوفيون أن " رأى " يكتب بالياء ، وتابعهم على هذا القول بعض البصريين . فأما البصريون الحذاق ، منهم محمد بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف . قال النحاس : سمعت علي ابن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف ، ولا فرق بين ذوات الياء وبين ذوات{[10578]} الواو في الخط ، كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ ، ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو ، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء رماه بالألف ، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ، ثم يكتبون ضحا جمع ضحوة ، وكسا جمع كسوة ، وهما من ذوات الواو بالياء ، وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل . " فظنوا أنهم مواقعوها " " فظنوا " هنا بمعنى اليقين والعلم كما قال{[10579]} :

فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجِ

أي أيقنوا ، وقد تقدم{[10580]} . قال ابن عباس :( أيقنوا أنهم مواقعوها ) وقيل : رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها ، وظنوا أنها تأخذهم في الحال . وفي الخبر : ( إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ) . والمواقعة ملابسة الشيء بشدة . وعن علقمة أنه قرأ{[10581]} " فظنوا أنهم ملافوها " أي مجتمعون فيها ، واللفف الجمع . " ولم يجدوا عنها مصرفا " أي مهربا لإحاطتها بهم من كل جانب . وقال القتبي : معدلا ينصرفون إليه . وقيل : ملجأ يلجؤون إليه ، والمعنى واحد . وقيل : ولم تجد الأصنام مصرفا للنار عن المشركين .


[10578]:الزيادة من ك و "إعراب القرآن" للنحاس.
[10579]:هو دريد بن الصمة ؛ وتمام البيت: "سراتهم في الفارسي المسرد.
[10580]:راجع جـ 1 ص 375 فما بعد.
[10581]:الزيادة من تفسير "البحر المحيط".
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا} (53)

ولما قرر سبحانه {[46660]}ما لهم{[46661]} مع{[46662]} شركائهم ، ذكر حالهم{[46663]} في استمرار جهلهم ، فقال تعالى : { ورءا المجرمون } {[46664]}أي العريقون في الإجرام{[46665]} { النار } أي ورأوا ، ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف { فظنوا } ظناً { أنهم مواقعوها ولم } أي والحال أنهم لم{[46666]} { يجدوا عنها مصرفاً * } أي مكاناً ينصرفون إليه ، فالموضع موضع التحقق ، ولكن ظنهم جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا{ اتخذ الله ولداً }[ الكهف : 4 ] بغير علم{ وما أظن أن تبيد هذه أبداً }[ الكهف : 35 ] ،

{ وما أظن الساعة قائمة }[ الكهف : 36 ] ، { إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين }[ الجاثية : 32 ] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها .


[46660]:في ظ: حالهم.
[46661]:في ظ: حالهم.
[46662]:من مد، وفي الأصل وظ: من.
[46663]:زيد من مد.
[46664]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46665]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46666]:زيد من ظ ومد.