قوله تعالى : " ووضع الكتاب " " الكتاب " اسم جنس ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها كتب الأعمال في أيدي العباد ، قاله مقاتل . الثاني : أنه وضع الحساب ، قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة . والقول الأول أظهر ، ذكره ابن المبارك قال : أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال قال عمر لكعب : ويحك يا كعب حدثنا من حديث الآخرة ، قال : نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله - قال - ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش ، وذلك قوله تعالى : " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - قال الأسدي : الصغيرة ما دون الشرك ، والكبيرة الشرك ، إلا أحصاها - قال كعب : ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر ، فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة ، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول " هاؤم اقرؤوا كتابيه . إني ظننت أني ملاق حسابيه " {[10568]} [ الحاقة : 19 ] ثم يدعي بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوي عنقه ، فذلك قوله " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره{[10569]} " [ الانشقاق : 10 ] فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات . وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول : يا ويلتاه ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر . قال ابن عباس : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ، يعني ما كان من ذلك في معصية الله عز وجل ، ذكره الثعلبي . وحكى الماوردي عن ابن عباس أن الصغيرة الضحك .
قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية ، فإن الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية ، وعلى هذا تكون كبيرة ، فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم . أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم ، وقد قال تعالى : " فتبسم ضاحكا من قولها{[10570]} " [ النمل : 19 ] . وقال سعيد بن جبير : إن الصغائر اللمم كالمسيس والقُبَل ، والكبيرة : المواقعة والزنى . وقد مضى في " النساء " {[10571]} بيان هذا . قال قتادة : اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلما ، فإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه . وقد مضى . ومعنى " أحصاها " عدها وأحاط بها ، وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا . " ووجدوا ما عملوا حاضرا " أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا وقيل : وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا . " ولا يظلم ربك أحدا " أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد ، ولا يأخذوه بما لم يعمله ، قال الضحاك . وقيل : لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه .
{ ووضع } {[46486]}بأيسر أمر{[46487]} بعد العرض المستعقب للجمع {[46488]}بأدنى إشارة{[46489]} { الكتاب } المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه { فترى المجرمين } لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها [ {[46490]}{ مشفقين مما فيه } من قبائح أعمالهم ، وسيىء أفعالهم وأقوالهم {[46491]}أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق{[46492]} { ويقولون } {[46493]}أي يجددون ويكررون قولهم{[46494]} : { ياويلتنا } كناية عن{[46495]} أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك { مال هذا الكتاب } {[46496]}أي أي شيء له حال كونه{[46497]} على غير حال الكتب في الدنيا ، {[46498]}ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب ، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم{[46499]} وسألوا عنها بقولهم : { لا يغادر } {[46500]}أي يترك أي يقع{[46501]} منه غدر ، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء : تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر ، أي عدم الوفاء به ، من الغدير - لقطعة من{[46502]} الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه ، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي { صغيرة } أي{[46503]} من أعمالنا .
ولما هالهم إثبات{[46504]} جميع الصغائر ، بدؤوا بها ، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع ، {[46505]}وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه{[46506]} - فقالوا{[46507]} : { ولا كبيرة إلا أحصاها } ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه ، نفى ذلك بقوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضراً } كتابة{[46508]} وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه{[46509]} أو يظلم من عادوهم فيه { ولا يظلم ربك } {[46510]}الذي رباك بخلق القرآن{[46511]} { أحداً * } منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب ، بل يجازى الأعداء بما يستحقون ، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم ؛ روى الإمام أحمد في المسند{[46512]} عن جابر {[46513]}بن عبد الله{[46514]} رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال : فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته ، قلت : حديث{[46515]} بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص ، فخشيت أن تموت{[46516]} قبل أن أسمعه ، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول :
" يحشر {[46517]}الله عز وجل{[46518]} الناس{[46519]} - أو قال : العباد - حفاة عراة بهما قلت : وما بهما ؟ قال{[46520]} : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه {[46521]}من بعد كما يسمعه{[46522]} من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق {[46523]}حتى أقصه منه{[46524]} ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة{[46525]} أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة{[46526]} ، قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله{[46527]} حفاة عراة بهما ؟ قال : بالحسنات والسيئات " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.