الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا} (49)

قوله تعالى : " ووضع الكتاب " " الكتاب " اسم جنس ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها كتب الأعمال في أيدي العباد ، قاله مقاتل . الثاني : أنه وضع الحساب ، قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة . والقول الأول أظهر ، ذكره ابن المبارك قال : أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال قال عمر لكعب : ويحك يا كعب حدثنا من حديث الآخرة ، قال : نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله - قال - ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش ، وذلك قوله تعالى : " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - قال الأسدي : الصغيرة ما دون الشرك ، والكبيرة الشرك ، إلا أحصاها - قال كعب : ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر ، فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة ، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول " هاؤم اقرؤوا كتابيه . إني ظننت أني ملاق حسابيه " {[10568]} [ الحاقة : 19 ] ثم يدعي بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوي عنقه ، فذلك قوله " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره{[10569]} " [ الانشقاق : 10 ] فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات . وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول : يا ويلتاه ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر . قال ابن عباس : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ، يعني ما كان من ذلك في معصية الله عز وجل ، ذكره الثعلبي . وحكى الماوردي عن ابن عباس أن الصغيرة الضحك .

قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية ، فإن الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية ، وعلى هذا تكون كبيرة ، فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم . أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم ، وقد قال تعالى : " فتبسم ضاحكا من قولها{[10570]} " [ النمل : 19 ] . وقال سعيد بن جبير : إن الصغائر اللمم كالمسيس والقُبَل ، والكبيرة : المواقعة والزنى . وقد مضى في " النساء " {[10571]} بيان هذا . قال قتادة : اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلما ، فإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه . وقد مضى . ومعنى " أحصاها " عدها وأحاط بها ، وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا . " ووجدوا ما عملوا حاضرا " أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا وقيل : وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا . " ولا يظلم ربك أحدا " أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد ، ولا يأخذوه بما لم يعمله ، قال الضحاك . وقيل : لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه .


[10568]:راجع جـ 18 ص 268 فما بعد.
[10569]:راجع جـ 19 ص 270.
[10570]:راجع جـ 13 ص 175.
[10571]:راجع جـ 5 ص 158.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا} (49)

{ ووضع } {[46486]}بأيسر أمر{[46487]} بعد العرض المستعقب للجمع {[46488]}بأدنى إشارة{[46489]} { الكتاب } المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه { فترى المجرمين } لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها [ {[46490]}{ مشفقين مما فيه } من قبائح أعمالهم ، وسيىء أفعالهم وأقوالهم {[46491]}أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق{[46492]} { ويقولون } {[46493]}أي يجددون ويكررون قولهم{[46494]} : { ياويلتنا } كناية عن{[46495]} أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك { مال هذا الكتاب } {[46496]}أي أي شيء له حال كونه{[46497]} على غير حال الكتب في الدنيا ، {[46498]}ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب ، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم{[46499]} وسألوا عنها بقولهم : { لا يغادر } {[46500]}أي يترك أي يقع{[46501]} منه غدر ، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء : تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر ، أي عدم الوفاء به ، من الغدير - لقطعة من{[46502]} الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه ، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي { صغيرة } أي{[46503]} من أعمالنا .

ولما هالهم إثبات{[46504]} جميع الصغائر ، بدؤوا بها ، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع ، {[46505]}وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه{[46506]} - فقالوا{[46507]} : { ولا كبيرة إلا أحصاها } ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه ، نفى ذلك بقوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضراً } كتابة{[46508]} وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه{[46509]} أو يظلم من عادوهم فيه { ولا يظلم ربك } {[46510]}الذي رباك بخلق القرآن{[46511]} { أحداً * } منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب ، بل يجازى الأعداء بما يستحقون ، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم ؛ روى الإمام أحمد في المسند{[46512]} عن جابر {[46513]}بن عبد الله{[46514]} رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال : فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته ، قلت : حديث{[46515]} بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص ، فخشيت أن تموت{[46516]} قبل أن أسمعه ، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول :

" يحشر {[46517]}الله عز وجل{[46518]} الناس{[46519]} - أو قال : العباد - حفاة عراة بهما قلت : وما بهما ؟ قال{[46520]} : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه {[46521]}من بعد كما يسمعه{[46522]} من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق {[46523]}حتى أقصه منه{[46524]} ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة{[46525]} أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة{[46526]} ، قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله{[46527]} حفاة عراة بهما ؟ قال : بالحسنات والسيئات " .


[46486]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[46487]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[46488]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[46489]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[46490]:من ظ ومد، وفي الأصل: على.
[46491]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46492]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46493]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46494]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46495]:من ظ ومد وفي الأصل: على.
[46496]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46497]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46498]:العبارة من هنا إلى "عنها بقولهم" ساقطة من ظ.
[46499]:من مد، وفي الأصل: قطعتهم.
[46500]:العبارة من هنا إلى "تركها الراعي" ساقطة من ظ.
[46501]:زيد من مد.
[46502]:زيد من مد.
[46503]:سقط من ظ.
[46504]:من ظ ومد، وفي الأصل: إثباته.
[46505]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46506]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46507]:في ظ: فقال.
[46508]:من ظ ومد، وفي الأصل: كناية.
[46509]:زيد من ظ ومد.
[46510]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46511]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46512]:3 / 495.
[46513]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[46514]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[46515]:في المسند: حديثا.
[46516]:زيد في المسند: أو أموت.
[46517]:سقط ما بين الرقمين من المسند.
[46518]:سقط ما بين الرقمين من المسند.
[46519]:سقط من مد.
[46520]:زيد من ظ ومد والمسند.
[46521]:سقط ما بين الرقمين من المسند.
[46522]:سقط ما بين الرقمين من المسند.
[46523]:ليس ما بين الرقمين في ظ ومد.
[46524]:ليس ما بين الرقمين في ظ ومد.
[46525]:زيد من ظ ومد والمسند.
[46526]:زيد من ظ ومد والمسند.
[46527]:زيد من ظ ومد والمسند.