الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا} (54)

قوله تعالى : " ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل " يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية . الثاني : ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في " سبحان " ، {[10582]} " ؛ فهو على الوجه الأول زجر ، وعلى الثاني بيان . " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " أي جدالا ومجادلة والمراد به النضر بن الحرث وجداله في القرآن وقيل : الآية في أبي بن خلف . وقال الزجاج : أي الكافرون أكثر شيء جدلا ، والدليل على الكافر قوله " ويجادل الذين كفروا بالباطل "

وروي أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له ما صنعت فيما أرسلت إليك فيقول رب آمنت بك وصدقت برسلك وعملت بكتابك فيقول الله له هذه صحيفتك ليس فيها من ذلك فيقول : يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول يا رب ولا أقبلهم يا رب أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى هذا اللوح المحفوظ أم الكتاب قد شهد بذلك فقال : يا رب ألم تجرني من الظلم قال : بلى ، فقال : يا رب لا أقبل إلا شاهدا علي من نفسي فيقول الله تعالى : الآن نبعث عليك شاهدا من نفسك فيتفكر من الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يخلى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإن بعضه ليعلن بعضا يقول لأعضائه لعنكم الله فعنكن كنت أناضل فتقول أعضاؤه : لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يُكتم حديثا فذلك قوله تعالى : " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضا . وفي صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال : ( ألا تصلون ؟ فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول : " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " )


[10582]:راجع جـ 10 ص 264 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا} (54)

ولما كان الكلام في قوة أن يقال : صرفنا هذه الأخبار بما{[46667]} أشارت إليه من الأسرار الكبار ، فقامت دلائل الشريعة الجلائل ، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر ، عطف على ذلك : { ولقد صرفنا } {[46668]}أي بما لنا من العظمة{[46669]} . ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب ، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى : { في هذا القرءان } أي القيم الذي لا عوج فيه ، {[46670]}مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات{[46671]} { للناس } {[46672]}أي المزلزلين فضلاً عن الثابتين{[46673]} { من كل مثل } أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه{[46674]} من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة ، والأساليب المتناسقة ، ما سار بها في غرابته كالمثل ، يقبله كل من يسمعه ، وتضرب به آباط{[46675]} الإبل في سائر البلاد ، بين العباد ، فتبشر به قلوبهم ، وتلهج{[46676]} به ألسنتهم ، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه ؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى : { وكان الإنسان } {[46677]}الذي جعل خصيماً وهو آنس بنفسه جبلة وطبعاً{[46678]} { أكثر شيء } {[46679]}وميز الأكثرية بقوله تعالى : { جدلاً * } {[46680]}لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان ، الذي أضاء جميع الأكوان{[46681]} .


[46667]:من ظ ومد، وفي الأصل: ربما.
[46668]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46669]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46670]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46671]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46672]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46673]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46674]:من ظ ومد، وفي الأصل: وجوه.
[46675]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاباط.
[46676]:في ظ: بهج.
[46677]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46678]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46679]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46680]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46681]:سقط ما بين الرقمين من ظ.