قوله تعالى : " قل كل متربص " أي قل لهم يا محمد كل متربص ، أي كل المؤمنين الكافرين منتظرين دوائر الزمان ولمن يكون النصر . " فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى " يريد الدين المستقيم والهدى ، والمعنى فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق . وقيل : فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة . وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة . وقرئ " فسوف تعلمون " . قال أبو رافع : حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكره الزمخشري . و " من " في موضع رفع عند الزجاج . وقال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب مثل " والله يعلم المفسد من المصلح{[11210]} " . قال أبو إسحاق : هذا خطأ ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، و " من " ها هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء ، والمعنى : فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم ؟ . قال النحاس : والفراء يذهب إلى أن معنى " من أصحاب الصراط السوي " من لم يضل وإلى أن معنى " ومن اهتدى " من ضل ثم اهتدى . وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري " فسيعلمون من أصحاب الصراط السوي " بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة ، وتأنيث الصراط شاذ قليل ، قال الله وتعالى : " اهدنا الصراط المستقيم{[11211]} " [ الفاتحة : 6 ] فجاء مذكرا في هذا وفي غيره ، وقد رد هذا أبو حاتم قال : إن كان من السوء وجب أن يقال السوءى ، وإن كان من السواء وجب أن يقال : السيا بكسر السين والأصل السويا . قال الزمخشري : وقرئ " السواء " بمعنى الوسط والعدل ، أو المستوي . النحاس وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل " السوءى " والساكن ليس بحاجز حصين ، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها . تمت والحمد لله وحده .
ولما علم بهذا أن إيمانهم كالممتنع ، وجدالهم لا ينقطع ، بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه ، وإن عذبوا قبله تظلموا ، كان كأنه قيل : فما الذي أفعل معهم ؟ فقال : { قل كل } أي مني ومنكم { متربص } أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان على عدوه { فتربصوا } فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل ، ولا تجوزون الجائز إلا عند وقوعه { فستعلمون } {[50338]}أي عما قريب{[50339]} بوعد لا خلف فيه عند{[50340]} كشف الغطاء { من أصحاب الصراط } أي الطريق الواضح الواسع{[50341]} { السويّ } أي الذي لا عوج فيه ولا نتوّ ، فهو{[50342]} من شأنه أن يوصل إلى المقاصد .
ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالما بالشيء ولا عاملاً بما يعلم منه ، قال { ومن اهتدى* } أي {[50343]}من الضلالة{[50344]} فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره ، نحن أم أنتم ؟ ولقد علموا يقيناً ذلك يوم فتح مكة المشرفة ، واشتد اغتباطهم بالإسلام ، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم ، ورهبة من السيف والنقم{[50345]} ، وكانوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه ، وهذا{[50346]} معناه أنه صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة ، وهو عين قوله تعالى : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فقد انطبق الآخر على الأول ، ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل - {[50347]}والله أعلم{[50348]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.