الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ} (14)

" وقليل من الآخرين " أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال الحسن : ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة ، وقليل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا منهم بكرمك . وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم ؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الإيمان منهم ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا . وقيل : لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : " ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين " [ الواقعة : 40 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني ) رواه أبو هريرة ، ذكره الماوردي وغيره . ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن مسعود . وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر ، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين . قال الحسن : سابقو من مضى أكثر من سابقينا ، ولذلك قال : " وقليل من الآخرين " وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين : " ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين " [ الواقعة :40 ] ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة ) ثم تلا قوله تعالى : " ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين " . قال مجاهد : كل من هذه الأمة . وروى سفيان عن أبان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الثلتان جميعا من أمتي ) يعني " ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين " [ الواقعة : 40 ] . وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . قال أبو بكر رضي الله{[14625]} عنه : كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من هو في أول أمته ، ومنهم من هو في آخرها ، وهو مثل قوله تعالى : " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله{[14626]} " [ فاطر : 32 ] . وقيل : " ثلة من الأولين " أي من أول هذه الأمة . " وقليل من الآخرين " يسارع في الطاعات حتى يلحق درجة الأولين ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( خيركم قرني ) ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين . والثلة من ثللت الشيء أي قطعته ، فمعنى ثلة كمعنى فرقة ، قاله الزجاج .


[14625]:ما بين المربعين ساقط من ح، ز، س، ل، هـ.
[14626]:راجع جـ 14 آية 32.