لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

قوله جل ذكره : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } .

الفقر على ضربين : فقر الخِلْقة وفقر الصفة ؛ فأمَّا فقر الخِلْقَة فهو عامٌّ لكلِّ أحدٍ ؛ فكلُّ مخلوقٍ مفتقرٌ إلى خالقه ، فهو قد حَصَلَ من العَدَمَ ، فهو مفتقر إليه ليبديه وينْشيه ، ثم بعد ذلك مفتقرٌ - في حال بقائه إليه - لِيُديمَه ويقيه . فاللَّهُ - سبحانه - غنيٌّ ، والعبدُ فقير ؛ العبدُ فقيرٌ بعينه واللَّهُ غنيٌّ بعينه .

وأمَّا فقر الصفة فهو التجرُّد ، ففقرُ العوامِ التجرُّدُ من المال ، وفقر الخواص التجرد من الأعلال لِيَسْلَمَ لهم الفقر .

والفقر على أقسام : فقر إلى الله ، وفقر إلى شيء هو من الله ؛ معلوم أو مرسوم وغير ذلك . ومَنْ افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء ؛ فالفقيرُ إلى اللَّه هو الغنيُّ بالله ، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله ، فالمفتقر إلى الله مُسْتَغْنٍ بالله ، والمستغني بالله مفتَقِرٌ إلى الله .

ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع ، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكُّبر ، وشَرَفُ العبد في فقره ، وكذلك ذُلُّه في توهمه أنه غنيٌّ :-

وإِذا تذلَّلَتْ الرِّقابُ تَقَرُّباً *** مِنَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها

ومن الفقر المذموم ، أن يَسْتُرَ الحقُّ على صاحبه مواضعَ فقره إلى ربِّه ، ومن الفقر المحمود أن يُشْهِدَه الحقُّ مواضعَ فَقْرِه إليه .

ومن شرط الفقير المخلص ألا يملكَ شيئاً ويملك كلَّ شيءٍ .

ويقال : الفقير الصادق الذي لا يملكه شيء .

ومن آداب الفقير الصادق إظهارُ التَّشَكُّرِ عند كمالِ التكَسُّر . ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى . ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى .

وحقيقة الفقر المحمود تجرُّد السِّرِّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله .

ويقال : الفقر المحمود العَيْشُ مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقتِ من غير استكراه شيءٍ منه بكلِّ وجْهٍ .

قوله : { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ } : الإشارة منه أن يُعْطِي حتى يُحْمَد .

ويقال الغنيُّ إذا أظهر غِنَاه لأحدٍ فإمَّا للمفاخرة أو للمكاثرة - وجَلَّ قَدْرُ الحقِّ عن ذلك- وإمَّا ليجود ويتفضَّل على أحدٍ .

ويقال : لا يقول لنا أَنتم الفقراءُ للإزرار بنا - فإنَّ كَرَمَه يتقدَّسُ عن ذلك - وإنما المقصود أنه إذا قال : والله الغني ، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا .

ويقال إذا لم تَدَّعِ ما هو صفته - من استحقاق الغِنَى- أولاك ما يُغْنِيك ، وأعطاكَ فوق ما يكفيك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (15)

{ يا أيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } في أنفسكم وفيما يعن لكم من أمر معهم أو خطب ملم ، وتعريف { الفقراء } للجنس أو للاستغراق إذ لا عهد ، وعرف كذلك للمبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب وأن افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم بمنزلة العدم وذلك قال تعالى : { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } [ النساء : 8 2 ] ولا يرد الجن إذ هم لا يحتاجون في المطعم والملبس وغيرهما كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه فلا حاجة إلى إدخالهم في الناس تغليباً على أنه قيل لا يضر ذلك إذ الكلام مع من يظهر القوة والعناد من الناس ، والقول أن القصر إضافي بالنسبة إليه تعالى لا يخفي ما فيه ، وقال صاحب الفرائد : الوجه أن يقال والله تعالى أعلم المراد الناس وغيرهم وهو على طريقة تغليب الحاضر على الغائب وأولى العلم على غيرهم ، وهو بعيد جداً .

وقال العلامة الطيبي : الذي يقتضيه النظم الجليل أن يحمل التعريف في الناس على العهد وفي الفقراء على الجنس لأن المخاطبين هم الذين خوطبوا في قوله تعالى : { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك } [ فاطر : 3 1 ] الآية أي ذلكم المعبود هو الذي وصف بصفات الجلال لا الذين تدعون من دونه وأنتم أشد الخلائق احتياجا إليه عز وجل ولا يخلو عن حسن { والله هُوَ الغنى } عن كل شيء لا غيره { الحميد } المنعم على جميع الموجودات المستحق بانعامه سبحانه للحمد ، وأصله المحمود وأريد به ذلك على طريق الكناية ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغني لا ينفع الفقير إلا إذا كان جواداً منعماً ومثله مستحق للحمد ، وهذا كالتكميل لما قبله كما في قول كعب الغنوي :

حليم إذا ما الحلم زين أهله *** مع الحلم في عين العدو مهيب

ويدخل في عموم المستغنى عنه المخاطبون وعبادتهم ، وفي كلام الطيبي رائحة التخصيص حيث قال ما سمعت نقله وهو سبحانه غني عنكم وعن عبادتكم لأنه تعالى حميد له عباد يحمدونه وإن لم تحمدوه أنتم والأولى التعميم .

وما روي في سبب النزول من أنه لما كثر من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء وكثر الاصرار من الكفار قالوا لعل الله تعالى محتاج لعبادتنا فنزلت لا يقتضي شيئاً من التخصيص في الآية كما لا يخفي .

ومن باب الإشارة : { ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } في سائر شؤونكم ، ومراتب الفقر متفاوتة وكلما ازداد الإنسان قرباً منه عز وجل ازداد فقره إليه لازدياد المحبة حينئذ وكلما زاد العشق زاد فقر العاشق إلى المعشوق حتى يفني

{ والله هُوَ الغنى الحميد } [ فاطر : 5 1 ] فيه من البشارة ما فيه