لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا} (36)

أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه فَشَكَرَ أحدُهما لخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه ، فأصبح الكافرُ وجنَّتُه أصابتها جائحةٌ ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر ، وتوجَّه عليه اللومُ .

وفي الإشارة يخلق عَبْدَينَ يُطَيِّبُ لهما الوقت ، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف ، ويمكَّن لهما من البسْط . . فيستقيم أَحَدهُما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة ، فتميز له المجاهدةُ ثمراتِ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسنِ الاستقامة ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية ، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد ، ويصبح مُنْتفىً عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق .

والثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِه ، فينتكِسُ أمرُه ، بانحطاطه إلى ذميم عاداته ، فيرتدُّ عن سلوك الطريقة ويتردّى في ظلْمَة الغفلة ؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً ، ويتطوحُ في أودية التفرقة ، ويُوسَمُ الطرد ، ويُسْقى شرابَ الإهانة ، وينخرطُ في سلك الهَجْرِ . . . وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً ، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَصْلاً :

تبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةٌ لِمَنْ *** ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا} (36)

قوله تعالى : { وما أظن الساعة قائمة } كائنة { ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً } ، قرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية ، يعني من الجنتين ، وكذلك هو في مصاحفهم ، وقرأ الآخرون { منها } أي : من الجنة التي دخلها { منقلباً } أي : مرجعاً . إن قيل : كيف قال : ولئن رددت إلى ربي وهو منكر البعث ؟ قيل : معناه : ولئن رددت إلى ربي - على ما تزعم أنت - يعطيني هنالك خيراً منها ، فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها .