الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقُّ ، وتواصوا بما هو حَسَنٌ وجميلٌ ، وتواصوا بالصبر .
وفي بعض التفاسير : قوله : { الذين آمنوا } يعني أبا بكر ، { وعملوا الصالحات } : يعني عمر .
و{ تواصوا بالحقِّ } يعني عثمان ، و{ تواصوا الصبر } يعني عليًّا ، رضي الله عنهم أجمعين .
والخسرانُ الذي يلحق الإنسان على قسمين : في الأعمال ، ويتبيَّن ذلك في المآل ، وفي الأحوال ، ويتبيَّن ذلك في الوقت والحال ؛ وهو القبضُ بعد البسط ، والحجبةُ بعد القربة ، والرجوعُ إلى الرُّخَصِ بعد إيثار الأَشَقِّ والأَوْلَى .
{ وتواصوا بالحقِّ } : وهو الإيثارُ مع الخَلْق ، والصدقُ مع الحقِّ .
{ وتواصوا بالصبر } : على العافية . . . فلا صبرَ أَتَمُّ منه .
بالحق : الواجب من فعل الطاعات وترك المحرمات .
3- إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
أي : إن الإنسان لفي خسارة ونقصان وهلاك ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإنهم في نجاح وفلاح ، ونصر مبين في الدنيا ، وسعادة في الآخرة .
لقد حكم الله بأن جنس الإنسان في خسران إلا من أتى بأربعة أشياء :
الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وبالقضاء والقدر خيره وشره ، حلوه ومرّه .
( ب ) وعناصر العمل الصالح ثلاثة :
أداء الفرائض ، واجتناب النواهي ، وفعل الخير .
هو التواصي بالثبات على أمور الدين ، وشرائع الإسلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والعمل بالقرآن والسنة ، والبعد عن الزور والبدعة .
هو أن يوصي الناس بعضهم بعضا بالثبات على الطاعات ، والبعد عن المعاصي ، والرضا بالقضاء والقدر في المصائب والمحن .
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره :
دلّت الآية على أن الحق ثقيل ، وأن المحن تلازمه ، فذلك قرن به التواصي .
لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم . اه .
ذلك أن الكمال في معرفة الحق والدعوة إليه ، وفي التواصي بالصبر والثبات عليه ، وذلك بعد الإيمان والعمل الصالح .
قال تعالى : يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور . ( لقمان : 17 ) .
وقال عمر : رحم الله من أهدى إليّ عيوبي .
إنما قال : وتواصوا . ولم يقل : وأوصوا ، لتبيّن أن النجاة من الخسران إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة على الحق ، وتقبّل الحق عند الوصية به ، فكأن في هذه العبارة الجزلة قد نص على تواصيهم بالحق ، وقبولهم الوصية به إذا وجهت إليهم .
( تم بحمد الله تعالى وتوفيقه تفسير سورة العصر ) .
i في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 30/651 .
ii في ظلال القرآن 30/243 ، بتصرف .
iii لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر :
رواه مسلم في الألفاظ من الأدب ( 2246 ) وأحمد في مسنده ( 8892 ) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر ) .
{ وتواصوا بالحق } : أي أوصى بعضهم بعضا باعتقاد الحق وقوله والعمل به .
{ وتواصوا بالصبر } : أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على اعتقاد الحق وقوله والعمل به .
وقوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الخسر ، فهم رابحون غير خاسرين ، وذلك بدخولهم الجنة دار السعادة ، والمراد من الإِيمان الإِيمان بالله ورسوله وما جاء به رسوله من الهدى ودين الحق ، والمراد من العمل الصالح الفرائض والسنن والنوافل ، وقوله { وتواصوا بالحق } أي باعتقاده وقوله والعمل به ، وذلك باتباع الكتاب والسنة ، وقوله { وتواصوا بالصبر } اي أوصى بعضهم بعضا بالحق اعتقادا وقولا وعملا ، وبالصبر على ذلك ، حتى يموت أحدهم وهو يعتقد الحق ويقول به ويعمل بما جاء فيه ، فالإِسلام حق ، والكتاب حق ، والرسول حق ، فهم بذلك يؤمنون ويعملون ويتواصون بالثبات على ذلك حتى الموت .
- بيان فوز أهل الإِيمان والعمل الصالح المجتنبين للشرك والمعاصي .
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به ، ولا يكون الإيمان بدون العلم ، فهو فرع عنه لا يتم إلا به .
والعمل الصالح ، وهذا شامل لأفعال الخير كلها ، الظاهرة والباطنة ، المتعلقة بحق الله وحق عباده{[1476]} ، الواجبة والمستحبة .
والتواصي بالحق ، الذي هو الإيمان والعمل الصالح ، أي : يوصي بعضهم بعضًا بذلك ، ويحثه عليه ، ويرغبه فيه .
والتواصي بالصبر على طاعة الله ، وعن معصية الله ، وعلى أقدار الله المؤلمة .
فبالأمرين الأولين ، يكمل الإنسان{[1477]} نفسه ، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره ، وبتكميل الأمور الأربعة ، يكون الإنسان قد سلم من الخسار ، وفاز بالربح [ العظيم ] .
{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم ليسوا في خسر ، { وتواصوا } أوصى بعضهم بعضاً ، { بالحق } بالقرآن ، قاله الحسن وقتادة ، وقال مقاتل : بالإيمان والتوحيد . { وتواصوا بالصبر } على أداء الفرائض وإقامة أمر الله . وروى ابن عون عن إبراهيم قال : أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم ، لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين ، فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم ، وهي مثل قوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( التين :4-6 ) .
قوله : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } استثناء من جنس الإنسان وهم الناس ، فقد استثنى بذلك من الخاسرين الهلكى { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهم الموقنون بوحدانية الله ، المصدقون بنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأدوا ما عليهم من فرائض ، فالتزموا شرع الله وأحكام دينه غير مفرطين ولا غافلين .
قوله : { وتواصوا بالحق } يعني حضّ بعضهم بعضا ، وأوصى بعضهم بعضا بالحق . وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته ، واتباع النور الذي أنزله على رسوله { وتواصوا بالصبر } يعني أوصى بعضهم بعضا بالصبر عن المعاصي وعلى فعل الطاعات والواجبات وما يتقربون به إلى الله{[4856]} .