استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار ، مِنْ توهمكم أن نجاتَكم باستغفاركم . بل تَحقَّقُوا بأنكم لا تجدون نجاتَكم إلا بفضلِ ربِّكم ؛ فَبِفَضْلِه وبتوفيقه توصَّلْتُم إلى استغفاركم لا باستغفاركم ، وصلتم إلى نجاتكم ، وبرحمته أهَّلَكُم إلى استغفاركم ، وإلاَّ لَمَا وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم .
والاستغفار قَرْع باب الرزق ، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه ، فتح عليه أبوابَ رحمته ، وَيَّسرَ له أسبابَ نعمته .
ويقال يُنَزِّل على ظواهركم أمطارَ النِّعمة ، وعلى ضمائرِكم وسرائركم يُنَزِّل أنواعَ المِنَّة ، ويزيدكم قوة على قوة ؛ قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرِزْقِ ، وقوةً تحصلون بها تحسين أصناف الخُلُقِ .
مدرارا : كثيرة الدر ، يقال : درت السماء تدر درا . أي : أمطرت .
52 { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } .
كانت عاد أصحاب زروع وماشية وقوة ، وكانوا في أمس الحاجة إلى المطر ؛ لتشرب ماشيتهم وزراعتهم وقبيلتهم ، وذكر المفسرون : 45 أن الله تعالى عاقبهم بحبس المطر فاشتكوا ؛ فأرشدهم هود إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى ، والرجوع إليه مع الإيمان الكامل والإخلاص في التوحيد .
والمعنى : عبدوا الله تائبين إليه ، نادمين على ما فرط منكم طالبين للمغفرة ، فإذا فعلتم ذلك ؛ أرسل الله عليكم المطر متتابعا ، وزادكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد ، وعزا إلى عزكم .
{ ولا تتولوا مجرمين } : ولا تعرضوا عن دعوتي مصرين على آثامكم وإجرامكم .
نلمح في هذه الآية : ما كانت تتمتع به عاد من قوة وبأس ، وبسطة في الجسم والرزق ، وتفيد آيات أخرى هذا المعنى ، قال تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } . ( فصلت : 15 ) .
وقال سبحانه : { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ و َأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } . ( الشعراء : 127 135 ) .
{ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عما مضى منكم { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما تستقبلونه ، بالتوبة النصوح ، والإنابة إلى الله تعالى .
فإنكم إذا فعلتم ذلك { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض ، ويكثر خيرها .
{ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } فإنهم كانوا من أقوى الناس ، ولهذا قالوا : { من أشد منا قوة } ؟ ، فوعدهم أنهم إن آمنوا ، زادهم قوة إلى قوتهم .
{ وَلَا تَتَوَلَّوْا } عنه ، أي : عن ربكم { مُجْرِمِينَ } أي : مستكبرين عن عبادته ، متجرئين على محارمه .
{ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 ) }
ويا قوم اطلبوا مغفرة الله بالإيمان به ، ثم توبوا إليه من ذنوبكم ، فإنكم إن فعلتم ذلك يرسل المطر عليكم متتابعًا كثيرًا ، فتكثر خيراتكم ، ويزدكم قوة إلى قوتكم بكثرة ذرياتكم وتتابع النِّعم عليكم ، ولا تُعرضوا عما دعوتكم إليه مصرِّين على إجرامكم .
قوله تعالى : { ويا قوم استغفروا ربكم } ، أي : آمنوا به ، والاستغفار هاهنا بمعنى الإيمان ، { ثم توبوا إليه } ، من عبادة غيره ومن سالف ذنوبكم ، { يرسل السماء عليكم مدراراً } ، أي : يرسل المطر عليكم متتابعا ، مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة ، { ويزدكم قوة إلى قوتكم } ، أي : شدة مع شدتكم . وذلك أن الله عز وجل حبس عنهم القطر ثلاث سنين ، وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن ، فقال لهم هود عليه السلام : إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر ، فتزدادون مالا ، ويعيد أرحام الأمهات إلى ما كانت ، فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد . وقيل تزدادون قوة في الدين إلى قوة البدن . { ولا تتولوا مجرمين } ، أي : لا تدبروا مشركين .
قوله : { يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا } ذلك إنباء من الله عن قيل هود لقومه عاد وقد كانوا يقيمون بين الشام واليمن وكانوا أهل عمارة وبساتين وزروع ، قال لهم نبيهم هود : { استغفروا ربكم } آمنوا به دون غيره من المخاليق المفتراة ، واخلعوا الأوثان من قلوبكم وأحلامكم ، وتبرؤوا منها كامل التبرؤ { ثم توبوا إليه } أي توبوا إلى الله من ذنوبكم ومعاصيكم وشرككم { يرسل السماء عليكم مدرارا } { مدرارا } ، منصوب على الحال من السماء{[2108]} ، والمدرار ، كثير الدار أو الدرور ، وهو الصب أو السيلان . وعين مدرارة ؛ أي كثيرة الدمع . والمراد بالمدرار هنا : كثير السح{[2109]} ؛ أي يرسل عليكم المطر دالحا غزيرا ، يتبع بعضه بعضا ؛ فيعم فيكم الخير والنماء والخصب { ويزيدكم قوة إلى وقوتكم } أي يزيدكم شدة مضافة إلى شدتكم . أو يزيدكم الله عزا إلى عزكم ، أو قوة في المال والنسل .
قوله : { ولا تتولوا مجرمين } أي لا تولوا مدبرين عما أدعوكم غليه من توحيد الله والتطهير كاملا من رجس الوثنية والأصنام .
وقوله : { مجرمين } من الإجرام ، وهو اكتساب الآثام والذنوب ، ومنه الجريمة وهي الجناية وجمعها جرائم{[2110]} ؛ أي لا تعرضوا عن دعوة الله مصرين على إجرامكم وذنوبكم{[2111]} .