يُبَاحُ تناولُ المحرماتِ عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع ، ولا يُرَخَّصُ في ذلك إلا على أوصاف مخصوصة ، وبِقَدْرِ ما يَسُدُّ الرَّمق ، كذلك عند استهلاكِ العبدِ بغلبات الحقيقة لا بدّ من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه ، ثم لا يُمكّن من التعريج في أَوْطان التفرقة والتمييز بعد مضي أوقات الصحو من أجل أداء الشرع ، كما قيل :
{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } .
التحريم والتحليل يكونان من الله ، وقد نعى القرآن على أهل الجاهلية تحريم أنواع من الحيوانات ، فقال سبحانه وتعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون }( المائدة : 103 ) .
وقد تكرر هذا المعنى في سورة البقرة والمائدة والأنعام ، وقد قصر الله التحريم هنا في هذه الأربع ؛ ردا على تحريم المشركين لبعض الحيوانات ، افتراء على الله ، من غير أن يحرمها الله تعالى .
ف{ الميتة } . ربما تعفنت أو فسدت ، فتعافها النفس من جهة ، ولأن في أكلها أضرارا بالجسم من جهة أخرى ، ويلحق بالميتة : المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع منها ؛ نظرا لفسادها وضررها ، ولأنها لم تذبح وتذكى وهي حية .
{ والدم } . وهو الدم النازل من الحيوان في حياته أو في مماته ، ويسمى : الدم المسفوح ، أي : السائل عند ذبح الحيوان ، وقد أثبت الطب الحديث الأضرار التي تصيب الإنسان من شرب الدم .
{ ولحم الخنزير } . وقد حرم الله الخنزير كله ، جلده ولحمه ودهنه ؛ وإنما ذكر اللحم هنا ؛ لأنه الأساس المقصود بالذبح ، وتحريم الشحم والجلد تابعان لتحريم اللحم .
{ وما أهل لغير الله به } . حيث كان أهل الجاهلية يذبحون لآلهتهم ، ويقولون عند الذبح باسم اللات أو باسم العزى ؛ والفعل { أهلّ } مأخوذ من الإهلال بمعنى : رفع الصوت ، أي : رافعين أصواتهم باسم آلهتهم ؛ وفي هذا الحيوان فساد معنوي ؛ لأنه ذكر عليه اسم غير الله ، وقد قال تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }( الأنعام : 118 ) .
والذبح عبادة لها مواصفات في كتب الفقه ؛ منها : أن يحد الذابح شفرته ، ويريح ذبيحته ، ويذبح الحيوان من رقبته ، ويقطع أكثر الرقبة وفيها الحلقوم والودجان والنخاع . وعند الذبح يقول : باسم الله . الله أكبر .
{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } .
أي : من اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات الأربع : كمن سار في صحراء ، وضل الطريق ، واشتد به الجوع ؛ فإنه يباح له الأكل من هذه المحرمات ، بمقدار ما يسد الرمق ، ويستبقي الحياة .
{ غير باغ } ، أي : متجاوز في قصده ، بأن يترك الحلال متعمدا إلى أكل الحرام .
{ ولا عاد } . أي : ولا معتد بأكل أكثر مما يسد الرمق ، من أكل هذه المحرمات مضطرا فلا إثم عليه ، ولا ذنب .
{ فإن الله غفور رحيم } . فإن الله يغفر له ويرحمه ؛ لأنه عليم بالملابسات التي أحاطت به ، وهو سبحانه لم يكلفنا بما لا نطيق .
قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }( البقرة : 286 ) .
وقال عز شأنه : { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }( الطلاق : 7 ) .
وفي خواتيم سورة البقرة : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }( البقرة : 286 ) .
والآن وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ، يتحدث الطب الحديث عن الأضرار العديدة التي تصيب من يأكل من هذه المحرمات ، ويتضح للعيان صدق هذا القرآن ، وأنه إنما جاء من عند الله حقا ، فأنى لمحمد الذي نشأ في بلاد العرب ، أن يصل إلى تحريم هذه الأشياء بذاتها ، من غير أن يوجهه وحي السماء ، وصدق الله العظيم : { وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى } ( النجم : 4 ، 3 } .
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } الأشياء المضرة تنزيها لكم ، وذلك : ك { الْمَيْتَةَ } ، ويدخل في ذلك كل ما كان موته على غير ذكاة مشروعة ، ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك .
{ والدم } المسفوح ، وأما ما يبقى في العروق واللحم فلا يضر .
{ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ } لقذارته وخبثه ، وذلك شامل للحمه وشحمه وجميع أجزائه . { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ، كالذي يذبح للأصنام والقبور ونحوها ؛ لأنه مقصود به الشرك .
{ فَمَنِ اضْطُرَّ } إلى شيء من المحرمات -بأن حملته الضرورة وخاف إن لم يأكل أن يهلك- فلا جناح عليه إذا لم يكن باغيا أو عاديا ، أي : إذا لم يرد أكل المحرم وهو غير مضطر ، ولا متعد الحلال إلى الحرام ، أو متجاوز لما زاد على قدر الضرورة ، فهذا الذي حرمه الله من المباحات .
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) }
إنما حرَّم الله عليكم الميتة من الحيوان ، والدم المسفوح من الذبيح عند ذبحه ، ولحم الخنزير ، وما ذبح لغير الله ، لكن مَن ألجأته ضرورة الخوف من الموت إلى أَكْلِ شيء مِن هذه المحرمات وهو غير ظالم ، ولا متجاوزٍ حدَّ الضرورة ، فإن الله غفور له ، رحيم به ، لا يعاقبه على ما فعل .
قوله : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) ، إنما للحصر ، أي : لم يحرم الله عليكم سوى الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على الأنصاب أو الأوثان . فإذا قصد الذابح بذبيحته غير وجه الله ، أو ذكر عليها اسما غير اسم الله فلا تحل ذبيحته .
قوله : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) ، أي : من نزلت به ضرورة لأكل شيء من هذه المحرمات فلا بأس في ذلك ( غير باغ ولا عاد ) ، ( غير باغ ) ، أي : غير متجاوز للحد الذي تندفع به الحاجة . و ( عاد ) ، أن يجد بديلا عن هذه المحرمات . وقيل : الباغي والعادي يعم مدلولهما كل قاطع للسبيل أو مفارق للجماعة خارج على الإمام ، أو كان خارجا من بيته في معصية . وأمثال هؤلاء لا يستحقون رخصة الأكل أو الشرب مما حرمه الله .