لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (25)

هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه ، فشبهه بشجرة طيبة ، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية . تؤتى أكلها كل وقت ، وينتفع بها أهلُها كل حين .

وأصل تلك الشجرة المعرفة ، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين . وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي .

والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه .

وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية ، وأزهارها الأخلاق الجميلة ، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة .

وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة . . كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين ، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين ، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين ، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين . وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما ، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين . . . إلى ما لا يفي بشرحه نطق ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ . وذكرٍ من لوائح ولوامع ، وطوارق وشوارق ، كما قيل :

طوارق أنوار تلوح إذا بدت *** فتُظْهِر كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع

ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة ، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة . وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة :33 ] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ، ولا محجوبة ، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة .

وثمرات الشجرة أشرف الثمار ، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار ، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر .

ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية ، وللرسول - صلى الله عليه وسلم- بالنبوة ، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص .

والشجرة الطيبة المعرفة ، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق ، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت . ثم لا بدَّ للشجرة من الماء ، وماء هذه الشجرة دوام العناية ، وإنما تُورِقُ بالكفاية ، وتَتَوَرَّدُ بالهداية .

ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع .

ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم ؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم ، والمحبة والشوق والرضا ، والأحوال الصافية الوافية ، والأخلاق العالية الزكية .

ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر ، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك ، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه .

والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض ؛ لأن الكفر متناقض متضاد ، ليس له أصل صحيح ، ولا برهان موجب ، ولا دليل كاشف ، ولا علة مقتضية ، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال ، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار ، لأنها حاصلة من شُبَةٍ واهية وأصول فاسدة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (25)

المفردات :

تؤتي أكلها كل حين : تعطي ثمرها في كل وقت .

التفسير :

{ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . . . } .

فالنخلة لا تضن بثمارها في أي وقت من الأوقات ، ويؤكل البلح ليلا ونهارا ، صيفا وشتاء ، ويؤكل منه الجمار والبلح والبسر والرطب والتمر ، وكل نتاج النخلة خير وبركة ، وهي كقلب المؤمن لا تجف صيفا ولا شتاء .

وكذلك الإيمان في قلب المؤمن ثابت كجذور النخلة ، وأعمال المؤمن تصعد إلى السماء : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } . ( فاطر : 10 ) . ، والإيمان يؤتى ثماره في كل حين وآن ، من الأعمال الصالحة ، والجهاد ، والذكر ، والصدقة ، وصلة الرحم ، ونشر العلم ، وأداء العبادات والمعاملات ، وكذلك النخلة أو كل شجرة مثمرة نافعة ، تؤتي أكلها وثمارها كل وقت وآن ، { بإذن ربها } . أي : بأمره ومشيئته ، حيث شاء أن ينتفع الناس بهذه الثمار في كل حين .

{ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } .

ختم الله هاتين الآيتين ببيان الحكمة من ضرب الأمثال في القرآن الكريم ، وهي : الحث على التفكر والتأمل والاعتبار ، وفيها زيادة إفهام وتذكير للناس ؛ لأن أنس النفوس بها أكثر ، فهي تخرج المعنى من خفي إلى جلي ، ومما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالحس والطبع ، وفيها تقريب للبعيد ، وتقرير للقريب ، وإبراز المعاني المقولة بالصور المحسوسة .

في أعقاب تفسير الآيتين :

المراد بالشجرة الطيبة عن جمهور المفسرين : النخلة ، وقيل : هي كل شجرة مثمرة طيبة الثمار والمنظر والرائحة ، وقيل : غير ذلك ، وقد رجح الألوسي والطبري وغيرهم : أن المراد بالشجرة الطيبة : النخلة ؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .