لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا} (48)

يقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص ، ويُلْبِسُ كُلاً ما يُؤَهِّله له ؛ فَمِنْ لباسِ تقوى ، ومن قميصِ هوى ، ومن صِدَارِ وَجْدٍ ، ومن صُدْرَةِ محبة ، ومن رداءِ شوقٍ ، ومن حُلَّة وُصْلَة .

ويقال يجرِّدهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة وينادي المنادي على أجسادهم : هذا الذي أَتَى وَوَجَدَ ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ وهذا الذي خالَفَ فأَصَرَّ ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ ، وهذا الذي أحْسَنَّا إليه فَذَكَرَ . وهذا الذي أسقيناه شرابَنا ، ورزقناه محابَّنا ، وشَوَّقناه إلى لقائنا ، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا .

وهذا الذي وَسَمْناه بحجتنا ، وحرمناه وجُوُهَ قربتنا . وألبسناه نطاق فراقنا ، ومنعناه ، توفيق وفاقنا ، وهذا ، وهذا . . .

واخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهمُ ! *** وقال لي مُغْضَباً : مَنْ أنت يا رجلُ ؟

قوله جلّ ذكره : { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداًً } .

جئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر ، ولا مُعينِ ولا مُظاهِر .

قوم يُقال لهم : سلامٌ عليكم . . . . كيف أنتم ؟ وكيف وَجَدَتُم مقيلَكم ؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم !

وقوم يُقال لهم : ما صنعتُم ، وما ضَيَّعْتُم ؟ ما قدَّمتُم ، وما أخرتم ؟ ما أعلنتم ، وما أسررتُم ؟

قُلْ لي بألسنةِ التنفُّسِ *** كيف أنت وكيف حالك ؟

ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيُفْصِحون عن مكنون قلوبهم ، ويشرحون ما هم به من أحوالٍ مع محبوبهم . وأخرون تملكهم الحيرة وتُسْكِتُهم الدهشة ، فلا لهم بيان ، ولا ينطق عنهم لسان . وآخرون كما قيل :

قالت سكينةُ مَنْ هذا فقلتُ لها : *** أنا الذي أنت ِ من أعدائه زَعمُوا

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا} (48)

ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة من أهوال يوم القيامة ، هى حالة العرض بعد حالة الجمع فتقول : { وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً } .

أى : وأحضروا جميعا إلى ربك مصفوفين فى صف واحد أو فى صفوف متعددة ، ليقضى فيهم - سبحانه - بقضائه العادل .

قال الآلوسى : أخرج ابن منده فى التوحيد عن معاذ بن جبل ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله - تعالى - ينادى يوم القيامة ، يا عبادى : أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين . وأحكم الحاكمين ، وأسرع الحاسبين . أحضروا حجتكم ويسروا جوابكم . فإنكم مسئولون محاسبون . يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب " .

وفى الحديث الصحيح : " يجمع الله - تعالى - الأولين والآخرين فى صعيد واحد صفوفا يسمعهم الداعى وينفذهم البصر . . " .

وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . . } مقول لقول محذوف ، وجملة { كما خلقناكم } نعت لمصدر محذوف .

والمعنى : ونقول لمنكرى البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ والتأنيب : لقد جئتمونا - أيها المكذبون - مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا إياكم أول مرة . أى حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد .

وعبر - سبحانه - بالماضى فى قوله : { لقد جئتمونا . . } لتحقق الوقوع وتنزيله منزلة الواقع بالفعل .

وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ثم ختم - سبحانه - الآية بالانتقال من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى فقال : { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً } .

أى : بل زعمتم أيها المكذبون بالبعث - أن لن نجعل لكم زمانا أو مكانا نجازيكم فيه على أعمالكم ، وأنكرتم إنكاراً مصحوبا بقسم أننا لا نبعث من يموت .

قال - تعالى - : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ }