في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل الله - وقد تهيأت كل نفس ، واستعد كل قلب وشد كل عصب ، وتحفز كل عرق ؛ وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين :

( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) . .

حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء ، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم :

إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا . .

فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجيء عجيب . ولكنه صادق عميق :

( بأنهم قوم لا يفقهون ) . .

فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر ? ولكنها صلة حقيقية ، وصلة قوية . . إن الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها ، وتفقه منهجها ، وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها . . إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ؛ فتفقه أن الألوهية لا بد أن تنفرد وتستعلي ، وأن العبودية يجب أن تكون لله وحده بلا شريك . وتفقه أنها هي - الأمة المسلمة - المهتدية بهدى الله ، المنطلقة في الأرض بإذن الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ؛ وأنها هي المستخلفة عن الله في الأرض ؛ الممكنة فيها لا لتستعلي هي تستمع ؛ ولكن لتعلي كلمة الله وتجاهد في سبيل الله ؛ ولتعمر الأرض بالحق ؛ وتحكم بين الناس بالقسط ؛ وتقيم في الأرض مملكة الله التي تقوم على العدل بين الناس . . وكل ذلك فقه يسكب في قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين ؛ ويدفع بها إلى الجهاد في سبيل الله في قوة وفي طمأنينة للعاقبة تضاعف القوة . بينما أعداؤها ( قوم لا يفقهون ) . قلوبهم مغلقة ، وبصائرهم مطموسة ؛ وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة . إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

{ ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } بعد أن بين سبحانه الكفاية أمر جل شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم بترتيب بعض مباديها ، وتكرير الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن المأمور به ، والتحريض الحث على الشيء .

وقال الزجاج : هو في اللغة أن يحث الإنسان على شيء حتى يعلم منه أنه حارض أي مقارب للهلاك ، وعلى هذا فهو للمبالغة في الحث ، وزعم في «الدر المصون » أن ذلك مستبعد من الزجاج ، والحق معه ، ويؤيده ما قاله الراغب من أن الحرض يقال لما أشرف على الهلاك والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض نحو قذيته أزلت عنه القذى ويقال : أحرضته إذا أفسدته نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى ، فالمعنى هنا يا أيها النبي بالغ في حث المؤمنين على قتال الكفار .

وجوز أن يكون من تحريض الشخص وهو أن يسميه حرضاً ويقال له : ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر ومحرضاً فيه ، ونحوه فسقته أي سميته فاسقاً ، فالمعنى سمهم حرضاً وهو من باب التهييج والإلهاب ، والمعنى الأول هو الظاهر . وقرىء { *حرص } بالصاد المهملة من الحرص وهو واضح .

{ القتال إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا } شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله تعالى وتأييده ، فالجملة خبرية لفظاً إنشائياً معنى ، والمراد ليصبرن الواحد لعشرة وليست بخبر محض ، وجعلها الزمخشري عدة من الله تعالى وبشارة وهو ظاهر في كونها خبرية ، والآية كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى منسوخة ، والنسخ في الخبر فيه كلام في الأصول ، على أنه قد ذكر الإمام أنه لو كان الكلام خبراً لزم أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ومعلوم أنه ليس كذلك ، والاعتراض عليه بأن التعليق الشرطي يكفي فيه ترتب الجزاء على الشرط في بعض الأزمان لا في كلها ليس بشيء كما بينه الشهاب ، وذكر الشرطية الثانية مع انفهام مضمونها مما قبلها للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف وكذا يقال فيما يأتي .

و { يَكُنِ } يحتمل أن يكون تاماً والمرفوع فاعله و { مّنكُمْ } حال منه أو متعلق بالفعل ويحتمل أن يكون ناقصاً والمرفوع اسمه و { مّنكُمْ } خبره ، وقوله تعالى : { مّنَ الذين كَفَرُواْ } بيان للألف ، وقوله سبحانه : { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعل المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان وإثارة ثائرة البغي والعدوان فلا يستحقون إلا القهر والخذلان ، وقال بعضهم : وجه التعليل بما ذكر أن من لا يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر لا يؤمن بالمعاد والسعادة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيا فيشح بها ولا يعرضها للزوال بمزاولة الحروب واقتحام موارد الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامة فيفر فيغلب ، وأما من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة الفانية وإنما السعادة هي الحياة الباقية فلا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح فيقول الواحد من مثله مقام الكثير انتهى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

قوله : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } { حرض } ، من التحريض وهو الحث والإحماء{[1690]} يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحث المؤمنين ويحضهم حضا على قتال الأعداء في شجاعة وإقدام ؛ فلا يجبنوه ولا ينثنون ولا يتخاذلون ولا يولون الأدبار عند اللقاء ؛ فإنه لا يولي دبره عند اللقاء خائرا إلا الأنذال والخاسرون . ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال وعند مواجهة عدوهم . ونظير ذلك ما قاله لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في أعدادهم وجموعهم : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) .

قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } ذلك تبشير من الله للمؤمنين بالنصر إن واجه الواحد منهم العشرة من الكافرين . لسوف ينصر الله المؤمنين على قلتهم إن كانوا صابرين ثابتين محتسبين . ثم نسخ هذا التكليف وبقيت البشارة وذلك أنه شق عليهم حين فرض الله عليهم أن لا يفر الواحد منهم من العشرة من الكافرين في القتال . وروي عن ابن عباس قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله : { يغلبوا مائتين } وروي البخاري نحوه . وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين . ثم خفف الله عنهم فقال : { لآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين .

وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس : نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفا . فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم . وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .

قال القرطبي في ذلك : حديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ولما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين . فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ؛ فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن{[1691]} .

قوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } أي بسبب أن الكافرين سخفاء ، وأنهم تافهون أشقياء يقاتلون في سبل الشيطان ، ويموتون من أجل الباطل ؛ حيث الأهواء والشهوات والسفاسف الرخيصة ، غير عابئين بمرضاة الله ولا مكترثين بأيما احتساب للثواب عنده ؛ فلا يستحقون بذلك من الله نصرا . إنما النصر للمؤمنين الذين يقاتلون على بصيرة طلبا لمرضاة الله وسعيا لنشر الحق والعدل وإشاعة الفضيلة والرحمة بين الناس .

وقد بينا آنفا أن الله خفف عن المسلمين في عدد الذين يتوجب عليهم الثبات عند اللقاء فلا يفرون ؛ فأوجب عليهم أن لا يفر الرجل من الرجلين ، وأن تصبر العشرة للعشرين ، والمائة للمائتين ، فإنهم ؛ إن أعدوا وصبروا وتوكلوا على الله ، فإن الله ناصرهم ، وهازم عدوهم{[1692]} .


[1690]:مختار الصحاح ص 130.
[1691]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 342 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 45.
[1692]:الكشاف جـ 2 ص 167 وتفسير النفسي جـ 2 ص 110 وتفسير الطبري جـ 10 ص 28.