وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه فتنطق سطوره الهائلة بنعم الله التي لا تحصى . وتتوالى صفحاته الضخمة الفسيحة بألوان هذه النعم على مد البصر : السماوات والأرض . الشمس والقمر . الليل والنهار . الماء النازل من السماء والثمار النابتة من الأرض . البحر تجري فيه الفلك ، والأنهار تجري بالأرزاق . . هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار ، ولكن البشر في جاهليتهم لا ينظرون ولا يقرأون ولا يتدبرون ولا يشكرون : إن الإنسان لظلوم كفار . يبدل نعمة الله كفرا ، ويجعل لله أندادا ، وهو الخالق الرازق المسخر الكون كله لهذا الإنسان :
( الله الذي خلق السماوات والأرض ، وأنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ) .
إنها حملة . إنها سياط تلذع الوجدان . . حملة أدواتها الهائلة السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار . . وسياط ذات إيقاع ، وذات رنين ، وذات لذع لهذا الإنسان الظلوم الكفار !
إن من معجزات هذا الكتاب أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس إلى عقيدة التوحيد . ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء . . وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضا لآيات الله ، تبدع فيه يد القدرة ، وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر ، وفي كل صورة فيه وظل . . إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي ولا في فلسفة " ميتافيزيقية " ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه . . إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون ، ومجالي الخلق ، ولمسات الفطرة ، وبديهيات الإدراك . في جمال وروعة واتساق .
والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه ، تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء بالقياس إلى الإنسان : خط السماوات والأرض . يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء . فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق . . ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد . خط الشمس والقمر . فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر : خط الليل والنهار .
ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها :
( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) . .
إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل . في مشهد الكون ومعرض الآلاء أفكل هذا مسخر للإنسان ؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير ؟ السماوات ينزل منها الماء ، والأرض تتلقاه ، والثمرات تخرج من بينهما . والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة . والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان . والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران . والليل والنهار يتعاقبان . . أفكل أولئك للإنسان ؟ ثم لا يشكر ولا يذكر ؟
الله الذي خلق السماوات والأرض . .
وبعد ذلك يجعلون لله أندادا ، فكيف يكون الظلم في التقدير ، والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض ؟
( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . .
والزرع مورد الرزق الأول ، ومصدر النعمة الظاهر . والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون ، ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر ، وموافقة هذا كله للإنسان . وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء . . والناس يسمعون كلمة " الرزق " فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال . ولكن مدلول " الرزق " أوسع من ذلك كثيرا ، وأعمق من ذلك كثيرا . . إن أقل " رزق " يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ؛ ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد . ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله . .
( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) . .
بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء ؛ وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء ؛ وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان .
تجري فتجري الحياة ، وتفيض فيفيض الخير ، وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات . . كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان . .
{ الله الذي خَلَقَ * السموات والارض } الخ ، وهذا أولى مما قيل : إنه تعالى لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء وكان حصول السعادة بمعرفة الله تعالى وصفاته والشقاوة بالجهل بذلك ختم الوصف بالدلائل الدالة على وجوده جل شأنه وكمال علمه وقدرته فقال سبحانه ما قال لظهور اعتبار المذكورات في حيز الصلة نعماً لا دلائل ، والاسم الجليل مبتدأ والموصول خبره ولا يخفى ما في الكلام من تربية المهابة والدلالة على قوة السلطان ، والمراد خلق السموات وما فيها من الإجرام العلوية والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات { وَأَنزَلَ مِنَ السماء } أي السحاب { مَاء } أي نوعاً منه وهو المطر ، وسمى السحاب سماء لعلوه وكل ما علاك سماء ؛ وقيل : المراد بالسماء الفلك المعلوم فإن المطر منه يتبدى إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض ، وعليه الكثير من المحدثين لظواهر الأخبار .
واستبعد ذلك الإمام لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى السحاب أسفل منه فإذا نزل رآه ماطراً ، ثم قال : وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً ، وأول بعضهم الظواهر لذلك بأن معنى نزول المطر من السماء نزوله بأسباب ناشئة منها ، وإياماً كان { فَمَنْ } ابتدائية وهي متعلقة { *بأنزل } وتقديم المجرور على المنصوب اما باعتبار كونه مبتدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك : أعطاه السلطان من خزائنه مالاً أو لما مر غير مرة من التشويق إلى المؤخر { مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ } أي بذلك الماء { مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق مراداً به المعنى اللغوي وهو كل ما ينتفع به فيشمل المطعوم والملبوس ، ونصبه على أنه مفعول { أَخْرَجَ } و { مِنَ الثمرات } بيان له فهو في موضع الحال منه ، وتقدم { مِنْ } البيانية على ما تبينه قد أجازه الكثير من النحاة وقد مر الكلام في ذلك ، واستظهر أبو حيان المانع لذلك كون { مِنْ } للتبعيض ، والجار والمجرور في موضع الحال و { رِزْقاً } مفعول { أَخْرَجَ } أيضاً ، وجوز أن تكون { مِنْ } بمعنى بعض مفعول أخرج و { رِزْقاً } بمعنى مرزوقاً حالاً منه فهو بيان للمراد من بعض الثمرات لأن منها ما ينتفع به فهو رزق ومنها ما ليس كذلك ، ويجوز أن يكون { رِزْقاً } باقياً على مصدريته ، ونصبه على أنه مفعول له أي أخرج به ذلك لأجل الرزق والانتفاع به أو مفعول مطلق لأخرج لأن أخرج بعض الثمرات في معنى رزق فيكون في معنى قعدت جلوساً على المشهور ، وقيل : من زائدة ولا يرى جواز ذلك هنا إلا الأخفش و { لَكُمْ } صفة لرزقاً أن أريد به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل : رزقاً إياكم ، والباء للسببية .
ومعنى كون الإخراج بسببه أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة بإذنه في ذلك حسبما جرت به حكمته الباهرة مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في الإخراج ، وهذا هو رأي السلف الذي رجع إليه الأشعري كما حقق في موضعه ، وزعم من زعم أن المراد أخرج عنده والتزموا هذا التأويل في ألوف من المواضع وضللوا القائلين بأن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة مؤثرة في شيء ما حتى قالوا : إنهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان ، وأولئك عندي أقرب إلى الجنون وسفاهة الرأي . و { الثمرات } يراد بها ما يراد من جمع الكثرة لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض أو لأنه أريد بالمفرد جماعة الثمرة التي في قولك : أكلت ثمرة بستان فلان ، وقد تقدم لك ما ينفعك تذكرة في هذا المقام فتذكر { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك } السفن بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك ، وقيل : بأن جعلها لا ترسب في الماء { لِتَجْرِىَ فِى البحر } حيث توجهتم { بِأَمْرِهِ } بمشيئته التي بها نيط كل شيء ، وتخصيصه بالذكر على ما ذكره بعض المحققين للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال ، ويندرج في تسخير الفلك كما في البحر تسخيره( {[490]} ) وكذا تسخير الرياح { وَسَخَّرَ لَكُمُ الانهار } جعلها معدة لانتفاعكم حيث تشربون منها وتتخذون جداول تسقون بها زروعكم وجناتكم وما أشبه ذلك ، هذا إذا أريد بالأنهار المياه العظيمة اجلارية في المجاري المخصوصة وأما إذا أريد بها نفس المجاري فتسخيرها تيسيرها لهم لتجري فيها المياه .
( ومن باب الإشارة ) :{ الله الذي خَلَقَ * السموات } أي سموات الأرواح { والارض } أي أرض الأجساد { وَأَنزَلَ مِنَ السماء } أي سماء عالم القدس { مَاء } وهو ماء العلم { فَأَخْرَجَ بِهِ } من أرض النفس { مِنَ الثمرات } وهي ثمرات الحكم والفضائل { رِزْقاً لَّكُمْ } في تقوى القلب بها { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك } أي فلك العقول { لِتَجْرِىَ فِى البحر } أي بحر آلائه وأسرار مخلوقاته الدالة على عظمته سبحانه
{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الانهار } [ إبراهيم : 32 ] أي أنهار العلم التي تنتهي بكم إلى ذلك البحر العظيم