في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (25)

25

( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه . إني لكم نذير مبين . ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) . .

إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد [ ص ] والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة ، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها . وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح - عليه السلام - لا ألفاظه . وهو الأرجح . فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر .

( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه : إني لكم نذير مبين ) . .

ولم يقل قال : إني . . . لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية . وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة :

( إني لكم نذير مبين ) . .

وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (25)

ثم إنه تعالى شرع في ذكر قصص الأنبياء الداعين إلى الله تعالى وبيان حالهم مع أممهم ليزداد صلى الله عليه وسلم تشميراً في الدعوة وتحملا لما يقاسيه من المعاندين ، فقال عز من قائل : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } الواو ابتدائية واللام واقعة في جواب قسم محذوف ويقدر حرفه ياء لا واو وإن كان هو الشائع لئلا يجتمع واوان ، وبعضهم يقدرها ولا يبالي بذلك .

ونوح في المشهور ابن لمك بن متوشبخ بن إدريس عليه السلام وأنه أول نبي بعث بعده قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بعث عليه السلام على رأس أربعين من عمره ولبث يدعو قومه ما قص الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً ؛ وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة . وقال مقاتل : بعث وهو ابن مائة سنة ، وقيل : ابن خمسين ، وقيل : ابن مائتين وخمسين ومكث يدعو قومه ما قص سبحانه وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا .

وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . والكسائي بالفتح على إضمار حرف الجر أي ملتبساً بذلك الكلام وهو { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } فلما اتصل الجار فتح كما فتح في كان ، والمعنى على الكسر وهو قولك : إن زيداً كالأسد بناءاً على أن كان مركبة وليست حرفاً برأسه ، وليس في ذلك خروج من الغيبة إلى الخطاب خلافاً لأبي علي ، ولعل الاقتصار على ذكر كونه عليه السلام نذيراً لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشاره عليه السلام { مُّبِينٌ } أي موضح لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه .