في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ} (71)

والمقطع الثاني في هذا القطاع يعرض قضية الألوهية والوحدانية ، في إطار من مشاهدات القوم ، ومن نعم البارىء عليهم ، وهم لا يشكرون :

( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون ? وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون . ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ? واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون . لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون . فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) . .

أو لم يروا ? فآية الله هنا مشهودة منظورة بين أيديهم ، ليست غائبة ولا بعيدة ، ولا غامضة تحتاج إلى تدبرأو تفكير . . إنها هذه الأنعام التي خلقها الله لهم وملكهم إياها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ} (71)

{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } الهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف أي ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا أو ألم يعلموا علماً يقينياً مشابهاً للمعاينة زعم بعضهم أن هذا عطف على قوله تعالى : { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا } [ يس : 31 ] الخ والأول للحث على التوحيد بالتحذير من النقم وهذا بالتذكير بالنعم المشار إليها بقوله تعالى : { أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم } أي لأجلهم وانتفاعهم { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } أي مما تولينا إحداثه بالذات من غير مدخل لغيرنا فيه لا خلقاً ولا كسباً .

والكلام استعارة تمثيلية فيما ذكر ، وجوز أن يكون قد كني عن الإيجاد بعمل الأيدي فيمن له ذلك ثم بعد الشيوع أريد به ما أريد مجازاً متفرعاً على الكناية ، وقال بعضهم : المراد بالعمل الإحداث وبالأيدي القدرة مجازاً ، وأوثرت صيغة التعظيم والأيدي مجموعة تعظيماً لشأن الأثر وإنه أمر عجيب وصنع غريب وليس بذاك ، وقيل الأيدي مجاز عن الملائكة المأمورين بمباشرة الأعمال حسبما يريده عز وجل في عامل الكون والفساد كملائكة التصوير وملائكة نفخ الأرواح في الأبدان بعد إكمال تصويرها ونحوهم ، ولا يخفى ما فيه .

ونحوه ما قيل الأيدي مجاز عن الأسماء فإن كل أثر في العالم بواسطة اسم خاص من أسمائه عز وجل .

وأنت تعلم أن الآية من المتشابه عند السلف وهم لا يجعلون اليد مضافة إليه تعالى بمعنى القدرة أفردت ك { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] أو ثنيت ك { خلقت بيدي } [ ص : 75 ] أو جمعت كما هنا بل يثبتون اليد له عز وجل كما أثبتها لنفسه مع التنزيه الناطق به قوله سبحانه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] وارتضاه كثير ممن وفقه الله تعالى من الخلق ، ولا أرى الطاعنين عليهم إلا جهلة { أنعاما } مفعول { خَلَقْنَا } وأخر عن الجارين المتعلقين به اعتناء بالمقدم وتشويقاً إلى المؤخر وجمعاً بينه وبين ما يتعلق به من أحكامه المتفرعة عليه ، والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية وخصها بالذكر لما فيها من بدائع القطرة وكثرة المنافع ، وهذا كقوله تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } [ الغاشية : 17 ] { فَهُمْ لَهَا مالكون } أي متملكون لها بتمليكنا إياها لهم ، والفاء قيل للتفريع على مقدر أي خلقنا لهم أنعاماً وملكناها لهم فهم بسبب ذلك مالكون لها ، وقيل للتفريع على خلقها لهم وفيه خفاء . وجوز أن يكون الملك بمعنى القدرة والقهر من ملكت العجيب إذا أجدت عجنه ، ومنه قول الربيع بن منيع الفزاري وقد سئل عن حاله بعد إذ كبر

: أصبحت لا أحمل السلاح ولا *** أملك رأس البعير إن نفرا

والأول أظهر ليكون ما بعد تأسيساً لا تأكيداً ، وأياً ما كان فلها متعلق بمالكون واللام مقوية للعمل وقدم لرعاية الفواصل مع الاهتمام ، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها .