( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ، إنا لا نضيع أجر المصلحين ) .
وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا مافيه ؛ ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه ، ولا يعملون به ، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ؛ ولا في سلوكهم وحياتهم . . غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة ، تعطي مدلولها كاملاً ، لكل جيل ولكل حالة .
إن الصيغة اللفظية : ( يمسكون ) . . تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى . . إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة . . الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه . . في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت . . فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر . . إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون " الواقع " هو الحكم في شريعة الله ! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله !
والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة ؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة . . والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً . إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة ، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس . فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس ، ولا تصلح بسواه . . والإشارة إلى الإصلاح في الآية :
( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) . .
يشير إلى هذه الحقيقة . . حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً ، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين .
وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني . . ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس ؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص ، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب ؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب ، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله . .
إنه منهج متكامل . يقيم الحكم على أساس الكتاب ؛ ويقيم القلب على أساس العبادة . . ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب ؛ فتصلح القلوب ، وتصلح الحياة .
إنه منهج الله ، لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجاً آخر ، إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب !
{ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } أي يتمسكون به في أمور دينهم يقال : مسك بالشيء وتمسك به بمعنى ، قال مجاهد . وابن زيد : هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة وقال عطاء : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من الكتاب القرآن الجليل الشأن ، وقرأ أبو بكر . وحم{ يُمَسّكُونَ } التخفيف من الإمساك ، وابن مسعود { *استمسكوا } ، وأبي { *مسكوا } وفي ذلك موافقة لقوله تعالى : { بالكتاب وَأَقَامُواْ الصلاة } ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن التمسك أمر مستمر في جميع الأزمنة بخلاف الإقامة فإنها مختصة بالأوقات المخصوصة ، وتخصيصها بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها بالتمسك بالكتاب لانافتها عليها لأنها عماد الدين ، ومحل الموصول إما الجر عطفاً على { للذين يتقون } [ الأعراف : 169 ] ، وقوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الأعراف : 169 ] اعتراض مقرر لما قبله ، والاعتراض قد يقرن بالفاء كقوله :
فاعلم فعلم المرء ينفعه *** أن سوف يأتي كل ما قدرا
وإما الرفع على الابتداء والخبر قوله سبحانه : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } والرابط إما الضمير المحذوف كما هو رأي جمهور البصريين أي أجر المصلحين منهم وإما الألف واللام كما هو رأي الكوفيين فإنها كالعوض عن الضمير فكأنه قيل مصلحيهم ، وأما العموم في المصلحين فإنه على المشهور من الروابط ومنه نعم الرجل زيد على أحد الأوجه أو وضع الظاهر موضع المضمر بناء على أن الأصل لا نضيع أجرهم إلا أنه غير لما ذكر تنبيهاً على أن الصلاح كالمانع من التضييع لأن التعليق بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق فكأنه قيل : لا نضيع أجرهم لصلاحهم .
وقيل : الخبر محذوف والتقدير والذين يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابون ، وقوله سبحانه : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } الخ حينئذ اعتراض مقرر لما قبله
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } أي يتمسكون بما ألهمه الله تعالى العقل والقلب من الحكم والمعارف { والذين يُمَسّكُونَ } ولم يألوا جهداً في الطاعة { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } [ الأعراف : 170 ] منهم وأجرهم متفاوت حسب تفاوت الصلاح حتى إنه ليصل إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.