ومن النهي عن قتل الأولاد إلى النهي عن الزنا :
( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) . .
وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة - وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس - لذات الصلة وذات المناسبة .
إن في الزنا قتل من نواحي شتى . إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها ، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق ، قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة ، أو حياة مهينة ، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء . . وهو قتل في صورة أخرى . قتل للجماعة التي يفشو فيها ، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء ، وتذهب الثقة في العرض والولد ، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها ، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات .
وهو قتل للجماعة من جانب آخر ، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها ، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها ، والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة ، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه .
وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال ، منذ التاريخ القديم إلى العصر الحديث . وقد يغر بعضهم أن أوربا وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيهما . ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها . أما في الأمم الفتية كالولايات المتحدة ، فإن فعلها لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يسرف في شهواته فلا يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكنه سرعان ما يتحطم عندما يدلف إلى الكهولة فلا يقوى على احتمال آثار السن ، كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده !
والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا . وهي مبالغة في التحرز . لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة ، فالتحرز من المقاربة أضمن . فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان .
ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة ، توقيا للوقوع فيه . . يكره الاختلاط في غير ضرورة . ويحرم الخلوة . وينهى عن التبرج بالزينة . ويحض على الزواج لمن استطاع ، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع . ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور . وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد . ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم . ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع ، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان . . إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج ، ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال .
قوله تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } الزنا ، ذميمة مستقذرة ومشينة ؛ بل هو قاذورة من القاذورات التي تتدنس بها أشخاص الزناة والزواني .
ولقد شدد الإسلام النكير على الزنا ؛ لأنه خلق الفاسدين والآسنين من الناس الذين يرتعون في مستنقع الفحش والقذر . والذين لا يستمرئون النكاح الطاهر المشروع بل يروق لهم الغوص في وحل الرذيلة ودهاليز الخنا لينتكسوا بذلك إلى حظيرة البهائم العجماوات التي لا يحكمها عرف ولا نظام . على أن الزنا رذيلة بالغة الفحش لأنه سبب لخلط المياه وتزييف النسل والأنساب ؛ فهو بذلك سبيل يفضي إلى الفحش والخيانة في الذرية والأولاد . وذلك هو ديدن الحضارة المادية في هذا الزمان ، الحضارة التي تسخر من القيم والفضائل وتستند في أساسها إلى الشهوات والأهواء والغرائز ، أو ما تميل إليه النفوس من حق أو باطل ، فما تعبأ الحضارة المادية في هذا الزمان بغير مقتضيات الغريزة ، بغض النظر عن مبادئ الدين أو ظواهر الخلق والفضيلة . ولعل ظاهرة الزنا الفاحش المستشري ، أكثر شيوعا في المجتمعات المادية الجاحدة التي سوّل لها شياطين الإنس فعل المنكرات والمعاصي التي اتفقت على تحريمها الأديان السماوية ومن أظهرها الزنا . لقد سولت الشياطين البشرية أن ذلك معقول ولا ضير في فعله أو الإغراق فيه ما لم يكن غصبا . هكذا سوّل المضلون الأشقياء من أمثال فرويد ودارون ودوركايم وأتباعه ومريديهم من الضالين والمخدوعين في كل مكان ؛ لقد سولوا للبشرية المخدوعة المضللة أن الزنا ممارسة جنسية لا غبار عليها وهو كغيره من المطالب الفطرية التي يستوي فيها الأحياء من بشر وبهائم ؛ فليس من عيب أو بأس أو مخالفة في فعله . فاستجابت البشرية المضللة لمثل هذه الأصوات الشيطانية حتى غاصت في وحل القاذورات وانتكست إلى حمأة الدنس انتكاس السادرين التائهين الحيارى .
لكن الإسلام الذي يقيم الحياة على لاطهر والصفاء والنظافة ؛ ويبني مجتمعه على الصراحة والاستقامة والوضوح ، بعيدا عن فوضى البهائم الصًّم ، وعن مفاسد العهر الفاضح- قد حرم الزنا أشد تحريم بقدر تحضيضه وتحريضه على النكاح الطاهر المبارك . النكاح المبرأ السليم ، القائم على المودة المستديمة والانسجام المترابط الوثيق . فقال سبحانه : ( ولا تقربوا الزنى ) نهى عن مجرد القرب من الزنا . وهو يدل على تحريم كل أسباب الزان ودواعيه وبواعثه التي تفضي إليه كالتقبيل والخلوة والنظرات المكرورة المريبة ، والاختلاط الفاجر المغالي ؛ لما في ذلك من مدعاة يخشى معها الوقوع في الفاحشة .
ثم علل النهي عن الزنا والدنو منه بقوله : ( إنه كان فاحشة ) أي معصية مجاوزة لحد الشرع والعقول . فكل شيء جاوز حده فهو فاحش{[2678]} .
قوله : ( وساء سبيلا ) أي وساء طريق الزنا طريقا ؛ لأنه طريق الخراب والفحش والرذيلة وفساد الأفراد والمجتمعات{[2679]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.