وقد عرفوا هذا واستيقنوه من حياتهم " عند ربهم " ومن تلقيهم لما يفيضه عليهم من نعمة وفضل ، ومن يقينهم بأن هذا شأن الله مع المؤمنين الصادقين . وأنه لا يضيع أجر المؤمنين . .
فما الذي يبقى من خصائص الحياة غير متحقق للشهداء - الذين قتلوا في سبيل الله ؟ - وما الذي يفصلهم عن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ؟ وما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ؛ وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس ، عن هذه الرحلة إلى جوار الله ، مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة !
إنها تعديل كامل لمفهوم الموت - متى كان في سبيل الله - وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم ، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم . وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها ، بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة ، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة . وحيث تستقر في مجال فسيح عريض ، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوراتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة ، ومن حياة إلى حياة !
ووفقا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين ، سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة - في سبيل الله - وكانت منها تلك النماذج التي ذكرنا بعضها في مقدمات الحديث عن هذه الغزوة . فيرجع إليها هناك .
قوله : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وهذا التكرير في الاستبشار الأول . فالاستبشار الأول كان بلحوق إخوانهم بهم في الشهادة وبمنجاتهم من الخوف والحزن . والثاني بنعمة الله وفضله . والنعمة يراد بها الجنة . والفضل داخل فيها . وعلى هذا فإن الله تعالى يبين أن هؤلاء الشهداء قد استبشروا مرتين :
الأولى : استبشارهم بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .
والثانية : استبشارهم بأحوال أنفسهم خاصة .
وثمة تفصيل يتعلق بأحكام الشهيد نبينه في اقتضاب فنقول :
إن الشهيد لا يغسل إذا قتل في المعترك وهو يواجه العدو . وهذا قول الجمهور . لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم . أما الشهيد غير قتيل المعترك فإنه يغسل . وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهب هؤلاء جميعهم إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة . أما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج واللصوص وقطاع الطريق وشبه ذلك فإنه يغسل في قول المالكية والشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا : كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد .
أما إذا حمل الشهيد حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله عنه .
أما الصلاة على الشهيد فموضع خلاف كذلك . فقد ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر إلى أنه لا يصلي على الشهيد المقتول في المعركة ؛ وذلك لحديث جابر قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . أما الحنفية فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد ، لكنه لا يغسل لما ورد في ذلك من آثار أكثرها مراسيل على النبي صلى الله عليه و سلم على حمزة وعلى سائر شهداء أحد . وهذا ما لا خلاف فيه .
ولو دهم العدو المسلمين بغتة فقتل منهم ، فهل يكون حكم القتيل منهم محكم قتيل المعترك ؟ ثمة قولان في ذلك ، أصحهما : أنه يغسل ويصلي عليه ؛ لأنه لم يقتل في المعترك بين الصفين{[637]} .
ويستفاد من هذه الآية ما أعده الله للشهيد من عظيم الثواب فضلا عن تكفير الخطايا والذنوب جميعا إلا الدين ؛ وذلك للخبر " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ، كذلك قال جبريل عليه السلام " .
والتنصيص هنا على الدين تنبيه على ما في معناه من حقوق الناس المتعلقة بالذمم . وذلك كالسرقة والغصب وأخذ المال بالباطل ونحو ذلك من التبعات الثقال . فذلك كله أولى ألا يغفر بالجهاد والاستشهاد من الدين ؛ لأن ذلك أشد وُبوقا من الدين .
على أن الدين يحول بين الشهيد ودخول الجنة هو الذي يترك له المدين وفاء ولم يوص به . أو قدر على الوفاء حال حياته ولم يؤده ولم تحدثه نفسه بالوفاء ولا بالتوصية بالأداء بعد موته . أما إذا أدانه في حق بسبب من فاقة أو عسر ونحو ذلك ومات من غير أن يترك وفاء فإن الله لا يحول بينه وبين الجنة بمنته وفضله{[638]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.