وهنا تكون التجربة الأولى قد تمت . وتكشف خصائص الإنسان الكبرى . وعرفها هو وذاقها . واستعد - بهذا التنبيه لخصائصه الكامنة - لمزاولة اختصاصه في الخلافة ؛ وللدخول في المعركة التي لا تهدأ أبداً مع عدوه . .
( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . قال : فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون ) . .
وهبطوا جميعا . . هبطوا إلى هذه الأرض . . ولكن أين كانوا ؟ أين هي الجنة ؟ . . هذا من الغيب الذي ليس عندنا من نبأ عنه إلا ما أخبرنا به من عنده مفاتح الغيب وحده . . وكل محاولة لمعرفة هذا الغيب بعد انقطاع الوحي هي محاولة فاشلة . وكل تكذيب كذلك يعتمد على مألوفات البشر اليوم و( علمهم ) الظني هو تبجح . فهذا " العلم " يتجاوز مجاله حين يحاول الخوض في هذا الغيب بغير أداة عنده ولا وسيلة . ويتبجح حين ينفي الغيب كله ، والغيب محيط به في كل جانب ، والمجهول في " المادة " التي هي مجاله أكثر كثيراً من المعلومات !
لقد هبطوا جميعاً إلى الأرض . . آدم وزوجه ، وإبليس وقبيله . هبطوا ليصارع بعضهم بعضاً ، وليعادي بعضهم بعضاً ؛ ولتدور المعركة بين طبيعتين وخليقتين : إحداهما ممحضة للشر ، والأخرى مزدوجة الاستعداد للخير والشر ؛ وليتم الابتلاء ويجري قدر الله بما شاء .
وكتب على آدم وذريته أن يستقروا في الأرض ؛ ويمكنوا فيها ، ويستمتعوا بما فيها إلى حين .
قوله : { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو } يخاطب الله آدم وحواء وذريتهما أو أن المخاطب آدم وزوجه وإبليس . وهو الأولى ، لظاهر العداوة المتأصلة بين بني آدم وإبليس . فقد أمرهم الله جميعا بالهبوط من الجنة إلى الأرض كيما يعيشوا فيها جيلا بعد جيل ، وأمة إثر أمة طيلة هذه الدنيا { بعضكم لبعض عدو } في موضع نصب على الحال . أي أن العداوة ثابتة ومركوزة ومستقرة بين ذرية آدم وجنود إبليس فلا تزول البتة . الصراع بينهم دائم ومستمر فلا ينقطع ولا يفتر حتى تزول هذه الدنيا . وذلكم هو الصراع بين الحق والباطل ، أو بين الخير والشر . صراع محتدم وحرور لا يفنى ولا يتبدد . ولسوف يظل أهل الحق يكابدون بسببه أشد المكابدة ويلاقون على الطريق من أجله كل ظواهر العدوان والشر والعنت مما يكيده لهم إبليس وأتباعه وجنوده من مختلف ألوان التآمر والتأليب والمكر . ولسوف تبقى الحال بالمسلمين الداعين إلى الله على هذه الحال من احتدام الصراع واشتداد القراع ومرارة الاحتمال والتصدي حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
قوله : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } المستقر موضع الاستقرار أي لكم قرار في الأرض تستقرونه ، وفراش تمتهدونه في حياتكم وبعد مماتكم حتى تقوم الساعة حيث الحساب والجزاء . أما المراد بالمتاع إلى حين فهو استمتاعهم في حياتهم إلى انقطاع الدنيا{[1359]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.