في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (15)

وهنا يتحول السياق من خطابهم إلى عرض نماذج من أعمالهم بعد استخلافهم .

لقد استخلفوا بعد القوم المجرمين . فماذا فعلوا ?

( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله . قل : ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلي ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل : لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله . أفلا تعقلون ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح المجرمون ) . .

( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ؛ ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . قل : أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ? سبحانه وتعالى عما يشركون . وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون . ويقولون : لولا أنزل عليه آية من ربه ، فقل : إنما الغيب لله ، فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .

هكذا كان عملهم بعد الاستخلاف ، وهكذا كان سلوكهم مع الرسول ! ! !

( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) . .

وهو طلب عجيب لا يصدر عن جد ، إنما يصدر عن عبث وهزل ؛ وعن جهل كذلك بوظيفة هذا القرآن وجدية تنزيله . وهو طلب لا يطلبه إلا الذين لا يظنون أنهم سيلقون الله !

إن هذا القرآن دستور حياة شامل ، منسق بحيث يفي بمطالب هذه البشرية في حياتها الفردية والجماعية ،

ويهديها إلى طريق الكمال في حياة الأرض بقدر ما تطيق ، ثم إلى الحياة الأخرى في نهاية المطاف . ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر له أن يطلب سواه ، أو يطلب تبديل بعض أجزائه .

وأغلب الظن أن أولئك الذين لا يتوقعون لقاء الله ؛ كانوا يحسبون المسألة مسألة مهارة ، ويأخذونها مأخذ المباريات في أسواق العرب في الجاهلية . فما على محمد أن يقبل التحدي ويؤلف قرآنا آخر ، أو يؤلف جزءا مكان جزء ? !

قال : ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . .

إنها ليست لعبة لاعب ولا مهارة شاعر . إنما هو الدستور الشامل الصادر من مدبر الكون كله ، وخالق الإنسان وهو أعلم بما يصلحه . فما يكون للرسول أن يبدله من تلقاء نفسه . وإن هو إلا مبلغ متبع للوحي الذي يأتيه . وكل تبديل فيه معصية وراءها عذاب يوم عظيم .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (15)

قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } ، قال قتادة : يعني مشركي مكة . وقال مقاتل : هم خمسة نفر : عبد الله بن أمية المخزومي ، والوليد بن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، والعاص بن عامر بن هاشم . { قال الذين لا يرجون لقاءنا } ، هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت تريد أن نؤمن بك { ائت بقرآن غير هذا } ، ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة ، وليس فيه عيبها ، وإن لم ينزلها الله فقل أنت من عند نفسك ، { أو بدله } ، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ، أو مكان حرام حلالا ، أو مكان حلال حراما ، { قل } لهم يا محمد ، { ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } ، من قبل نفسي { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ، أي : ما أتبع إلا ما يوحى إلي فيما آمركم به وأنهاكم عنه . { { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} (15)

ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل{[37713]} به{[37714]} سطوته وتذيقه بأسه ونقمته . وكان القرآن أعظم آية أنزلت{[37715]} إلى الناس لما لا يخفى . أتبع ذلك عطفاً على قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } بقوله بياناً لذلك : { وإذا تتلى } بناه للمفعول إيذاناً بتكذيبهم عند تلاوة{[37716]} أي تالٍ كان . وأبداه مضارعاً إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت التلاوة { عليهم } أي على هؤلاء الناس { آياتنا } أي على ما لها من العظمة {[37717]}بإسنادها إلينا{[37718]} { بينات } فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب والعناد ، ويجوز عطفه على { ثم جعلناكم خلائف } - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة للإيذان بأنهم أهل للإعراض لإساءتهم الخلافة ، والموصول بصلته في قوله : { قال الذين لا يرجون لقآءنا } في موضع الضمير تنبيهاً على أن هذا الوصف علة قولهم ، ولعله عبر بالرجاء ترغيباً لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب تعجيله للخير ودفعه للضمير . فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما أعده{[37719]} لمن أجابه ، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى الإقبال { ائت } أي من عندك { بقرآن } أي كلام مجموع جامع لما تريد { غير هذا } في نظمه ومعناه { أو بدله } أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين بأنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في التغيير حرصاً على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك .

ولما{[37720]} كان كأنه قيل : فماذا أقول لهم ؟ قال{[37721]} : { قل ما يكون } أي يصح ويتصور بوجه من الوجوه { لي } ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال : { أن أبدله } وقال : { من تلقاء } أي{[37722]} عند وقِبَل { نفسي } إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به{[37723]} ، فأنتج ذلك قطعاً قوله : { إن أتبع } أي بغاية جهدي { إلاّ ما } ولما كان قد علم أن الموحي إليه الله قال { يوحى إلي } أي{[37724]} سواء كان بدلاً أو أصلاً ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم مضمونه : { إني أخاف } أي على سبيل التجدد والاستمرار { إن عصيت ربي } أي المحسن إليّ والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي { عذاب يوم عظيم } فإني مؤمن به غير مكذب {[37725]}ولا شاك كغيري ممن{[37726]} يتكلم من الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم ، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان - هذا الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال .


[37713]:في ظ: ينزل.
[37714]:زيد من ظ.
[37715]:في ظ: نزلت.
[37716]:في ظ: تلاوته.
[37717]:من ظ، وفي الأصل: باستنادنا إليها.
[37718]:من ظ، وفي الأصل: باستنادنا إليها.
[37719]:في ظ: أعدوه.
[37720]:زيد من ظ.
[37721]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[37722]:سقط من ظ.
[37723]:سقط من ظ.
[37724]:زيد من ظ.
[37725]:في ظ: لوشا لغيري مما.
[37726]:في ظ: لوشا لغيري مما.