في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (83)

ويطوي السياق الطريق بهم ، حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع ، وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع . فلا نسمع إلا رده قصيرا سريعا ، شجيا وجيعا . ولكن وراءه أملا لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه ، أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له . وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع :

( قال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ، فصبر جميل ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ) . .

( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ، فصبر جميل ) . . كلمته ذاتها يوم فقد يوسف . ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك . . ( إنه هو العليم الحكيم ) . . الذي يعلم حاله ، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات ، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب ، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج .

هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ ؟ إنه الرجاء في الله ، والاتصال الوثيق به ، والشعور بوجوده ورحمته . ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة ، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (83)

قوله تعالى : { قال بل سولت لكم } ، زينت ، { أنفسكم أمراً } ، وفيه اختصار معناه : فرجعوا إلى أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم ، فقال يعقوب : { بل سولت لكم أنفسكم أمراً } ، أي : حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل .

قوله تعالى : { فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً } ، يعني : يوسف ، وبنيامين ، وأخاهم المقيم بمصر { إنه هو العليم } ، بحزني ووجدي على فقدهم { الحكيم } في تدبير خلقه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (83)

فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ فقيل : { قال بل } أي ليس الأمر كذلك ، لم تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهراً ولا باطناً ، أي لم{[42501]} يأخذ شيئاً من صاحبه في خفاء بل { سولت } أي{[42502]} زينت تزييناً{[42503]} فيه غي { لكم أنفسكم أمراً } أي حدثتكم بأمر ترتب عليه ذلك ، والأمر : الشيء الذي من شأنه أن تأمر النفس به ، وكلا الأمرين صحيح ، أما النفي فواضح ، لأن بنيامين لم يسرق الصواع ولا همّ بذلك ، ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا مناديه إلى ذلك بمفرده ، وأما الإثبات فأوضح ، لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام لما سولت لهم فيه أنفسهم . لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه السلام { فصبر جميل } مني ، لأن ظني في الله جميل ، وفي قوله : { عسى الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { أن يأتيني بهم } أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل { جميعاً } ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه الصلاة والسلام ، وأن الأمر إلى{[42504]} سلامة واجتماع ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم بما خفي علينا{[42505]} من ذلك ، فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد { الحكيم } أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها{[42506]} ، وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ترى - لأن{[42507]} الحال داع إلى العلم بما غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى{[42508]} معرفة حكمتها ؛ قال هذه المقالة


[42501]:زيد من ظ و م ومد.
[42502]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: رتبت ترتيبا.
[42503]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: رتبت ترتيبا.
[42504]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بالى.
[42505]:من ظ، وفي بقية النسخ: عنا.
[42506]:في مد: منهما.
[42507]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: بان.
[42508]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.