قوله جلّ ذكره : { إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنينَ } .
في عاجلهم في جنَّتِ وَصْلِهم ، وفي آجلهم في جنّاتِ فَضْلِهم ؛ فغداً درجات ونجاة ، واليومَ قرُبات ومناجاة ، فما هو مؤجَّلٌ حظُّ أنفسِهم ، وما هو معجّلٌ حقُّ ربِّهم . هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم ؛ يأخذون نصيبه منه بِيَدِ الشكر والحمد ، وغداً يأخذون ما يعطيهم ربُّهم في الجنة من فنون العطاء والرِّفد .
ومَنْ كان اليومَ آخذه بلا وساطة من حيث الإيمان والإتقان ، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان . كان غداً آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان . { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } ؛ كانوا ولكنهم اليوم بانوا ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا . . . فهم كما في الخبر : " أعبد الله كأنك تراه . . . " .
آخذين ما آتاهم ربهم : قابلين ما أعطاهم ربهم ، راضين به .
لقد أعطاهم الله نعيم الجنة ، ورضوانها وهناءها ، مع الخلود والحسنى وزيادة ، ثم إن هذا العطاء من الله ، من ربهم الذي يرعاهم ويكرمهم ، ويعطف عليهم ويزيدهم من فضله ، وعطاء الكريم العظيم لا يكون إلا كريما وعظيما .
{ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } .
أي : لقد أحسنا إليهم في الآخرة لإحسانهم العمل في الدنيا .
قال تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } . ( الرحمان : 60 ) .
وقال سبحانه وتعالى : { كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية } . ( الحاقة : 24 ) .
{ ءاخِذِينَ مَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } أي قابلين لكل ما أعطاهم عز وجل راضين به على معنى إن كل ما آتاهم حسن مرضي يتلقى بحسن القبول ، والعموم مأخوذ من شيوع ما وإطلاقه في معرف المدح وإظهار مَنِّهِ تعالى عليهم ، واعتبار الرضا لأن الأخذ قبول عن قصد ، ونصب { ءاخِذِينَ } على الحال من الضمير في الظرف { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } في الدنيا { مُحْسِنِينَ } أي لأعمالهم الصالحة آتين بها على ما ينبغي فلذلك استحقوا ما استحقوا من الفوز العظيم ، وفسر إحسانهم بقوله تعالى : { كَانُواْ قَلِيلاً مّن الليل مَا يَهْجَعُونَ } الخ على أن الجملة في محل رفع بدل من قوله تعالى : { كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [ الذاريات : 16 ] حصل بها تفيسره ، أو أنها جملة لا محل لها من الإعراب مفسرة كسائر الجمل التفسيرية ، وأخرج الفريابي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : { ءاخِذِينَ مَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } من الفرائض { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [ الذاريات : 16 ] أي كانوا قبل تنزل الفرائض يعملون ، ولا أظن صحة نسبته لذلك الحبر ، ولا يكاد تجعل جملة { كَانُواْ } الخ عليه تفسيراً إذا صح ما نقل عنه في تفسيرها ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .
{ آخذين ما آتاهم ربهم } : أي آخذين ما أعطاهم ربهم من الثواب .
{ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } : أي كانوا قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا أي في عبادة ربهم وإلى عباده .
وقوله { آخذين ما آتاهم ربهم } أي ما أعطاهم ربهم من ثواب هو نعيم مقيم في دار السلام . ثم ذكر تعالى مقتضيات هذا العطاء العظيم والثواب الجزيل فقال { إنهم كانوا قبل } دخولهم الجنة { محسنين } في الدنيا فأحسنوا نياتهم وأعمالهم أخلصوها لله ربهم وأتَوا بها وفق ما ارتضاه وشرعه لعباه زيادة ولا نقصان كما أحسنوا إلى عباده ولم يسيئوا إليهم بقول ولا عمل هذا موجب .
{ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ } يحتمل أن المعنى أن أهل الجنة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم ، من جميع أصناف النعيم ، فأخذوا ذلك ، راضين به ، قد قرت به أعينهم ، وفرحت به نفوسهم ، ولم يطلبوا منه بدلاً ، ولا يبغون عنه حولاً ، وكل قد ناله من النعيم ، ما لا يطلب عليه المزيد ، ويحتمل أن هذا وصف المتقين في الدنيا ، وأنهم آخذون ما آتاهم الله ، من الأوامر والنواهي ، أي : قد تلقوها بالرحب ، وانشراح الصدر ، منقادين لما أمر الله به ، بالامتثال على أكمل الوجوه ، ولما نهى عنه ، بالانزجار عنه لله ، على أكمل وجه ، فإن الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي ، هو أفضل العطايا ، التي حقها ، أن تتلقى بالشكر [ لله ] عليها ، والانقياد .
والمعنى الأول ، ألصق بسياق الكلام ، لأنه ذكر وصفهم في الدنيا ، وأعمالهم بقوله : { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم { مُحْسِنِينَ } وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم ، بأن يعبدوه كأنهم يرونه ، فإن لم يكونوا يرونه ، فإنه يراهم ، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع والإحسان ، من مال ، أو علم ، أو جاه أو نصيحة ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو غير ذلك من وجوه الإحسان{[844]} وطرق الخيرات .
حتى إنه يدخل في ذلك ، الإحسان بالقول ، والكلام اللين ، والإحسان إلى المماليك ، والبهائم المملوكة ، وغير المملوكة{[845]} .