( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون . ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . قالوا : يا ويلنا ! من بعثنا من مرقدنا ? هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) . .
يسأل المكذبون : ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) . . فيكون الجواب مشهداً خاطفاً سريعاً . . صيحة تصعق كل حي ، وتنتهي بها الحياة والأحياء :
( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) . .
فهي تأخذهم بغتة وهم في جدالهم وخصامهم في معترك الحياة ، لا يتوقعونها ولا يحسبون لها حساباً .
{ ما ينظرون } :ما ينتظرون . { إلا صيحة واحدة } هي النفخة الأولى . { تأخذهم وهم يخصمون } : يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم أمرها كقوله : { أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } وأصله يختصمون فسكنت التاء أدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو بكر بكسر الياء للاتباع ، وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء على إلقاء حركة التاء إليه ، وأبو عمرو وقالون به مع الاختلاس وعن نافع الفتح فيه والإسكان والتشديد وكأنه جوز الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مدغما ، وقرأ حمزة { يخصمون } من خصمه إذا جادله .
صيحة واحدة : نفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في الصور ، حيث يموت جميع الناس .
تأخذهم : تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون .
يخصمون : يختصمون ويتنازعون في أمورهم غافلين عنها .
49 { مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } .
ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ، لا ثانية لها ، حيث يموت الناس .
الصور هو القرن أو النفير ، ونجد شيئا قريبا من ذك في الجيش حيث نجد بروجي ( عسكري ) ينفخ في مكبّر للصوت ، نوبة صحيان ، فيستيقظ جميع المعسكر ، وهكذا نوبة غذاء ، ونوبة عشاء .
وقد أفاد القرآن والسنّة وتفسير ابن كثير وغيره ، أن هناك ثلاث نفخات في الصور :
النفخة الأولى : نفخة الفَزَع ، حيث تفْزَع جميع الخلائق .
النفخة الثانية : نفخة الموت ، حيث يموت جميع الخلائق ، ولا يبقى حيا سوى الرحمان جل جلاله .
النفخة الثالثة : نفخة البعث ، حيث يقوم الناس لرب العالمين .
ومن العلماء من أدمج النفخة الأولى في الثانية ، حيث أفاد أن هناك نفختين :
الأولى : يصعق الناس جميعا ويموتون أربعين عاما .
قال تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [ الزمر : 68 70 ] .
وقد أفادت السنة الصحيحة أن هذه النفخة الأولى ، تأخذ الناس وتفاجئهم بالموت والحتف ونهاية حياتهم ، فلا يستطيع إنسان أن يتم أكل اللقمة التي في فمه ، أو يشرب من الحوض الذي بناه بالجصّ والطين ، ولا يتم أي موضوع بدأ فيه .
أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوْبَهُما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه أي يسده بالطين والجصّ فلا يُسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطَعمُه ، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته19 إلى فمه فلا يطعمها " 20 .
يخصِّمون : بكسر الصاد المشددة ، يتخاصمون .
{ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } : ستأتيهم الساعة بغتة ، وما ينتظرون إلا صوتاً واحداً يقضي عليهم بغتة ، وهم يتنازعون في شؤون الدنيا غافلين عن الآخرة .
قرأ ابن عامر وعاصم والكسائي : { يَخِصّمون } بفتح الياء وكسر الخاء والصاد المشددة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : { يَخَصمون } بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المكسورة ، وقرأ نافع : يخْصّمون : { بإسكان } الخاء وتشديد الصاد وبهذا يكون جمع بين ساكنين ، وفي المصحف الذي طبعه الملك الحسن في المغرب : { يَخَصّمون } بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المكسورة ، وقرأ حمزة : { يخْصِمون } بإسكان الخاء وكسر الصاد بدون تشديد .
قال الله تعالى : { ما ينظرون } أي : ما ينتظرون ، { إلا صيحةً واحدةً } قال ابن عباس : يريد النفخة الأولى ، { تأخذهم وهم يخصمون } يعني : يختصمون في أمر الدنيا من البيع والشراء ، ويتكلمون في المجال والأسواق . قرأ حمزة :{ يخصمون } بسكون الخاء وتخفيف الصاد ، أي : يغلب بعضهم بعضاً بالخصام ، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد ، أي : يخصّمون . أدغمت التاء في الصاد ، ثم ابن كثير و يعقوب وورش يفتحون الخاء بنقل حركة التاء المدغمة إليها ، ويجزمها أبو جعفر وقالون ، ويروم فتحة الخاء أبو عمرو ، وقرأ الباقون بكسر الخاء . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها " .
قوله : { مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } وهذا جواب من الله لهم فيه وعيد لهم وتهديد ؛ أي وما ينتظرون إلا صيحة واحدة ، وهي النفخة الأولى ، وهي نفخة الفزع ؛ إذ ينفخ الملك العظيم في الصور نفخة الفزع الأكبر والناس في أسواقهم ومعايشهم وتجاراتهم يختصمون ويتشاجرون في أموالهم ومصالحهم . نواكل ذ
وقيل : هذه نفخة الصَّعْق ؛ إذ يهلك الناس والأحياء جميعا ولم يبق إلا الله الواحد القهار . ويعزز الله هذا قوله تعالى : { تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } أي تهلكهم صرعى وهم يخصم بعضهم بعضا في معاملاتهم وبياعاتهم .