وقبل أن يعرض مشهد هؤلاء في نعيمهم في الآخرة يقرر أن عبدة الطاغوت قد وصلوا فعلاً إلى النار . وأن أحداً لا يملك أن ينقذهم من هذه النار :
( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ? ) . .
والخطاب لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإذا كان هو لا يملك إنقاذهم من النار التي هم فيها فمن يملكها إذن سواه ?
{ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه ، فكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإنكار والاستبعاد ، ووضع { من في النار } موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه ، وأن اجتهاد الرسل في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار ، ويجوز أن يكون { أفأنت } تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإشعار بالجزاء المحذوف .
كلمة العذاب : إشارة إلى قوله تعالى : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } . ( ص : 85 )
19- { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } .
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه ، من أمثال أبى جهل وأضرابه ، ممن عبدوا الطاغوت وأطاعوا الشيطان ، وكفروا بالإسلام ، فاستحقوا الضلالة والشقاء ، وحقت عليهم كلمة العذاب ، حيث قال تعالى : { قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ( ص : 84 ، 85 ) .
لقد اختار الضلالة على الهدى ، فوجبت عليه كلمة العذاب ، وهي قسم الله أن يملأ جهنم من الشيطان وأتباعه ، فاستحق ذلك الوعيد ، واستوجب الخلود في جهنم ، ولم يعد ممكنا لك يا محمد أن تنقذه من النار التي استحقها بعدالة الله تعالى .
إنك يا محمد لا تقدر على هدايته فتخلّصه من النار ، والمقصود : طب نفسا وقرّ عينا ، ولا تجزع لإعراض قومك ، فإن العذاب سيصيبهم جزاء وفاقا ، وفي هذا المعنى نجد قوله تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر } . ( الغاشية : 21 ، 22 ) .
وقوله سبحانه : { طسم * تلك آيات الكتاب المبين * لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } . ( الشعراء : 1-3 ) .
وقول الله عز وجل : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . . . } ( القصص : 56 ) .
وقوله تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا } . ( المدثر : 11 ) .
وقوله عز وجل : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } . ( يونس : 99 ) .
ذكر الفخر الرازي عند تفسير هذه الآية ثلاث مسائل : نترك ما قاله في المسألتين الأولى والثانية ، وننقل هنا ما قاله في المسألة الثالثة وهو ما يأتي :
احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ، قال لأنه حق عليهم العذاب ، فتلك الشفاعة تكون جارية مجرى إنقاذهم من النار ، وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار والاستبعاد ، فيقال له : لا نسلّم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب ، وكيف يحق العذاب عليهم مع أن الله تعالى قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . } ( النساء : 48 ) . ومع قوله : { إن الله يغفر الذنوب جميعا . . . } ( الزمر : 53 ) . والله أعلم {[589]} .
{ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ } : أي : أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره ، فإنه لا حيلة لك في هدايته ، ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة .
لكن الغنى كل الغنى ، والفوز كل الفوز ، للمتقين الذين أعد لهم من الكرامة وأنواع النعيم ، ما لا يقادر قدره .
ثم بين - سبحانه - أن من أحاطت به خطيئته ، لن يستطيع أحد إنقاذه من العذاب فقال - تعالى - { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار } .
والاستفهام للنفى ، والتقدير : أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية ، أفتستطيع أنت - أيها الرسول الكريم - أن تنقذه من هذا المصير الأليم ؟ لا - أيها الرسول الكريم - إنك لا تستطيع ذلك . لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار ، بسبب استحبابه الكفر على الإِيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها .
قوله تعالى : { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ } : الهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر . و { مَن } ، شرطية وجوابها : أفأنت . وقيل : اسم موصول في محل رفع بالابتداء . وخبره محذوف وتقديره : كمن نجا ؟ أو أفأت تخلِّصه ؟ أو يتخلّص من العذاب ؟ والفاء الثانية ، فاء الجواب .
والمعنى : أمَن وجب عليه عذاب النار أأنت تنقذه منها ؟ أو هل من أحد بقادر أن ينقذ من أحاطت به خطيئته فكان من الظالمين وسبق في علم الله إنه من أهل النار ؟ فلست أنت تملك أمر الناس ، ولا أنت بقادر على إنقاذهم منها بل القادر على ذلك هو الله عزّ وجل .