في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

19

ولقد سبقت الإشارة إلى الفارق الضخم بين من يعلم أن ما أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق ، ومن هو أعمى . فالآن يحكي السياق شيئا عن العمي الذين لا يرون آيات الله في الكون ، والذين لا يكفيهم هذا القرآن ، فإذا هم يطلبون آية . وقد حكى السياق شيئا كهذا في شطر السورة الأول ، وعقب عليه بأن الرسول ليس إلا منذرا والآيات عند الله . وهو الآن يحكيه ويعقب عليه ببيان أسباب الهدى وأسباب الضلال . ويضع إلى جواره صورة القلوب المطمئنة بذكر الله ، لا تقلق ولا تطلب خوارق لتؤمن وهذا القرآن بين أيديها . هذا القرآن العميق التأثير ، حتى لتكاد تسير به الجبال وتقطع به الأرض ، ويكلم به الموتى لما فيه من سلطان وقوة ودفعة وحيوية . وينهي الحديث عن هؤلاء الذين يتطلبون القوارع والخوارق بتيئيس المؤمنين منهم ، وبتوجيههم إلى المثلات من قبلهم ، وإلى ما يحل بالمكذبين من حولهم بين الحين والحين :

( ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب )

( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ، وإليه متاب )

( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى . بل لله الأمر جميعا . أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا . ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله . إن الله لا يخلف الميعاد . ولقد استهزى ء برسل من قبلك ، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم . فكيف كان عقاب ? . . )

إن الرد على طلبهم آية خارقة ، أن الآيات ليست هي التي تقود الناس إلى الإيمان ، فللإيمان دواعيه الأصيلة في النفوس ، وأسبابه المؤدية إليه من فعل هذه النفوس :

( قل : إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) . .

فالله يهدي من ينيبون إليه . فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلا لهداه . والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال ، فيضلهم الله . فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه ، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

ولما كان العقل أعظم الأدلة ، وتقدم أنه مقصور على المتذكرين ، إشارة إلى أن من عداهم بقر{[44127]} سارحة ، وعرف أن ما دعا إليه الشرع هو الصلاح ، وضده هو الفساد ، وكان العقل إنما هو لمعرفة الصلاح فيتبع ، والفساد فيجتنب{[44128]} ، وكان الطالب لإنزال آية إلى غير ذلك لا سيما بعد آيات متكاثرة ودلالات ظاهرة موضعاً لأن يعجب{[44129]} منه ، قال{[44130]} على سبيل التعجب{[44131]} عطفاً على قوله { وفرحوا } مظهراً لما{[44132]} من شأنه الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم التعنت : { ويقول الذين كفروا } أي ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما لله{[44133]} من الآيات عناداً { لولا{[44134]} } أي هلا ولم لا .

ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي{[44135]} به ، بني للمفعول قوله : { أنزل عليه } أي هذا الرسول صلى الله عليه وسلم { آية } أي علامة بينة { من ربه } أي المحسن إليه بالإجابة لما يسأله لنهتدي بها فنؤمن به ، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله : { قل } أي لهؤلاء المعاندين : ما أشد عنادكم حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم{[44136]} لأن يكون نزل إلي آية مع أنه لم يؤت أحد من الآيات مثل ما أوتيت ، فعلم قطعاً أنه ليس إنزال الآيات سبباً للايمان بل أمره إلى الله { إن الله } أي الذي لا أمر لأحد معه { يضل من يشاء } إضلاله{[44137]} ممن لم ينب ، بل أعرض عن دلالة العقل ونقض ما أحكمه{[44138]} من ميثاق المقدمات المنتجة للقطع بحقية ما دعت إليه الرسل لما جبل عليه قلبه من الغلظة ، فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه كل آية ، لأنها كلها متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن له عقل ، وقد نزل قبل هذا آيات متكاثرة{[44139]} دالات أعظم دلالة على المراد { ويهدي } عند دعاء الداعين { إليه } أي طاعته . بمجرد دليل العقل من غير طلب آية { من أناب } أي من كان قلبه ميالاً مع الأدلة رجاعاً إليها لأنه شاء إنابته كأبي بكر الصديق وغيره ممن{[44140]} تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم ،


[44127]:في ظ: يقر، وفي مد: تقر.
[44128]:من م ومد، وفي الأصل: و ظ: ليجتنب.
[44129]:في ظ: تعجب.
[44130]:في الأصول: فقال.
[44131]:في ظ: التعجب.
[44132]:زيد بعده في ظ: في.
[44133]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الله.
[44134]:تكرر في الأصل و م بعد قوله "للمفعول قوله".
[44135]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: الاي- كذا.
[44136]:في ظ: إنكارهم.
[44137]:في ظ: إضلالهم.
[44138]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: أحكمته.
[44139]:منى ظ و م ومد، وفي الأصل: متكاثراة.
[44140]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بمن.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

قوله تعالى : { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ 27 الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 28 الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } يقول المشركون في سفاهة وضلال : هلا أنزل الله على محمد آية ؟ أي معجزة حسية يشاهدونها أو يلمسونها كإنزال العذاب من السماء كسفا ، أو إطباق الأخشبين عليهم ، أو تحويل الأرض القفر جنات وأنهارا . أو غير ذلك من الآيات المقترحة ؛ فرد الله عليهم بأن نزول مثل هذه الآيات لا يقتضي إيمانهم وهداهم بالضرورة والحتم ؛ فإن من سبقهم من الأمم قد أوتوا كثيرا من المعجزات الحسية فلم يؤمنوا ؛ بل نكصوا على أعقابهم وأبوا إلا الجحود والعصيان . وهذه الأمة كغيرها من الأمم سوف لا يفضي المعجزات الحسية إلى إيمانهم وهدايتهم على التحقيق . وخير دليل على ذلك : أن هذا القرآن أعظم معجزة يعيها البشر ويستمعون إليها . لا جرم أن القرآن في كمال أسلوبه ومبناه ، وعظيم مضمونه ومعناه ؛ ليس له في كلام العالمين نظير ؛ فهو بذلك معجزة قائمة للعيان . ولو تدبرها تمام التدبر كل ذي قلب وبصر ؛ وما لبث أن يهتدي أو يعتبر . لكنه بالرغم من ذلك كله ؛ فإن الناس ضالعون في الانتكاس والانثناء عن الإيمان الحق . ومن أجل ذلك يقول الله : { قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } لا يهدي الله إلى الحق والهدى من كان جانح الطبع ، فاسد الفطرة ، وإنما يهدي الله من كان سليم الطبع والفطرة ، نقي الجوهر والضمير ، مبرأ من مثالب النفس وأمراضها . فما يهتدي إلى منهج الله وينيب راجعا نائبا إلى ربه إلا كل ذي قلب سوي سليم . ومن دون ذلك من مرضى القلوب والفطر ؛ فإنهم لا محالة نافرون من دين الله وصائرون إلى الضلال والجحود .