بعد ذلك يوجه الله رسوله [ ص ] إلى الاتصال به ، واستمداد العون منه ، والمضي في طريقه ، يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل :
( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ، وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهودا ؛ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا . وقل : جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) . .
ودلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب . والأمر هنا للرسول [ ص ] خاصة . أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول [ ص ] وتواترت بها سنته العملية . وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء ، والغسق بأول الليل ، وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر ، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء - من دلوك الشمس إلى الغسق - ثم الفجر .
وجعل التهجد وحده هو الذي اختص رسول الله بأن يكون مأمورا به ، وأنه نافلة له . ونحن نميل إلى الرأي الأول . وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول [ ص ] وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية .
( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) . . أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه ؛ واقرأ قرآن الفجر ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) . . ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل . وإدبار الليل وإقبال النهار . ولهما وقعهما العميق في النفس ، فإن مقدم الليل وزحف الظلام ، كمطلع النور وانكشاف الظلمة . . كلاهما يخشع فيه القلب ، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة . وللقرآن - كما للصلاة - إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته ، ونسماته الرخية ، وهدوئه السارب ، وتفتحه بالنور ، ونبضه بالحركة ، وتنفسه بالحياة .
ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد ، وقرر أمرهم أحسن تقرير ، واستعطفهم بنعمه ، وخوفهم من نقمه ، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته ، وأحسن من علانيته وسريرته ، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة ، وتهيأ للمراقبة ، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى : { أقم } أي حقيقة بالفعل ومجازاً بالعزم عليه { الصلاة } بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها ، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير ، وفناء كل سوى ، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان ، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء ، وأدفع الأشياء للضراء ، وأجلبها لكل سراء ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر ؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى : { لدلوك الشمس } أي زوالها واصفرارها وغروبها ، قال في القاموس : دلكت الشمس : غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء . فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه ، أما في الظهر والمغرب فواضح ، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار ، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى : { إلى } حثاً على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصلياً دائماً ، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة ، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق { غسق الّيل } فالغسق : ظلمة أول الليل ، وهو وقت النوم ؛ وقال الرازي في اللوامع : وهو استحكام ظلمة الليل ، وقال الرماني : ظهور ظلامه ؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى : { وقرءان } فكأنه قال : ثم نم وأقم قرآن { الفجر } إشارة إلى الصبح ، وقيل : نصب على الإغراء ، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها ، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقاً بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم .
ولما كان القيام من المنام صعباً ، علل مرغباً مظهراً غير مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى : { إن قراءن الفجر كان مشهوداً * } يشهده فريقا الملائكة ، وهو أهل لأن يشهده كل أحد ، لما له من اللذة في السمع ، والإطراب للقلب ، والإنعاش للروح ، فصارت الآية جامعة للصلوات ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ، يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { إن قرءان الفجر } - الآية . قالوا : وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت ، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل ؛
قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ( 78 ) ومن الليل فتجهد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( 79 ) } ذلك بيان من الله لأشرف الطاعات وأرفعها قدرا وأجلها تعظيما وهي الصلاة ؛ فقد أمر الله المسلمين أن يقيموا هذه الفريضة العظيمة على خير وجه من الصحة وتمام الأداء ، وأن يحافظوا عليها في كل الأحوال ، وأن لا يفرطوا فيها أيما تفريط . وقد بيّن الله أوقات الصلوات المفروضة جميعها في هذه الآية ، وبهذا الأسلوب الجامع العجيب في كلمات معدودة مصطفاة على أكمل ما يكون عليه الترابط والانسجام بما ينطق بروعة هذا القرآن وإعجازه فقال : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) اختلف العلماء في معنى الدلوك هنا على قولين : أحدهما : أنه غروب الشمس . وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وهو رواية عن ابن عباس .
ثانيهما : أنه زوال الشمس عن كبد السماء . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس والشعبي وعطاء وقتادة وآخرون غيرهم . وهو القول الراجح ؛ فقد قال أهل اللغة : معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ، وبذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار : دالكة ، وقيل لها إذا أفلت : دالكة ؛ لأنها في الحالتين زائلة . قال الأزهري : والقول عندي أن دلوك الشمس زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس . والمعنى ، والله أعلم : أقم الصلاة يا محمد ؛ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل ؛ فيدخل فيها الأولى والعصر ، وصلاتا غسق الليل هما العشاءان ، فهذه أربع صلوات ، والخامسة قوله : ( وقرآن الفجر ) . والمعنى : وأقم صلاة الفجر ، فهذه خمس صلوات فرضها الله تعالى على نبيه ( ص ) وعلى أمته{[2727]} .
قوله : ( إلى غسق الليل ) وغسق الليل : اجتماع ظلمته ، أو هو ظلمة أول الليل . وأغسق الليل : اشتدت ظلمته . والغسوق والإغساق بمعنى الإظلام . والغاسق : القمر أو الليل إذا غاب الشفق{[2728]} . والمراد به هنا وقت صلاة العشاء الآخرة ؛ لأن غسق الليل معناه إقبال الليل وظلامه ، ولا يكون ذلك إلا بعد مغيب الشفق وذلك عند تراكم الظلمة واشتدادها ، فإذا حملنا الغسق على هذا المعنى ؛ دخلت الصلوات الأربع فيه وهي : الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
قوله : ( وقرآن الفجر ) ( قرآن ) ، منصوب لكونه معطوفا على الصلاة ، وتقديره : أقم الصلاة وقرآن الفجر . وقيل : منصوب بفعل مقدر ، وتقديره : واقرأوا قرآن الفجر{[2729]} وذلك على سبيل الإغراء والتحضيض . والمراد : صلاة الفجر ، وعبر عنها بالقرآن دون غيرها من الصلوات ؛ لأن القرآن أعظم ما فيها ، وقراءة القرآن فيها طويلة ومجهورة ؛ فإنه يستحب إطالة القراءة في صلاة الصبح على أن لا يضر القارئ بمن خلفه . ويلي هذه في الإطالة صلاة كل من الظهر والعصر ، وتخفيف القراءة في المغرب ، وتوسطها في العصر والعشاء ؛ فلا ينبغي التطويل فيهما ؛ فقد ورد في الصحيح عن النبي ( ص ) أنه قال : " أيها الناس إن منكم منفرين ، فأيكم أم الناس فليخفف ؛ فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة " . على أن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة للإمام والفذ . وهو قول الجمهور ، واستدلوا بالخبر : " لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب " . وكذلك قوله ( ص ) : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج " وروي عن مالك قوله : إن قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته . وقيل : إنها تجزي في ركعة واحدة . وهو قول الحسن البصري وآخرين . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن فاتحة الكتاب غير واجبة في الصلاة ؛ بل الواجب مطلق القراءة . فأيما آية قرأها فإنها تجزي . وحدّ أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة مثل آية الدين . ودليل الحنفية في ذلك ظاهر قوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسر منه ) وقوله ( ص ) : " ثم استقبل القبلة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " {[2730]} .
قوله : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) في قوله : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) قال : " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " .