ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم ، وتتعجب من ريبتهم ، وتستنكر تصرفهم الغريب :
( أفي قلوبهم مرض ? أم ارتابوا ? أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ? ) . .
والسؤال الأول للإثبات . فمرض القلب جدير بأن ينشى مثل هذا الأثر . وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة . إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها ، فلا تتذوق حقيقة الإيمان ، ولا تسير على نهجه القويم .
والسؤال الثاني للتعجب . فهل هم يشكون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان ? هل هم يشكون في مجيئه من عند الله ? أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل ? على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين !
والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب . فهل هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ? وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان . فالله خالق الجميع ورب الجميع . فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب أحد من خلقه ?
إن حكم الله هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف . لأن الله هو العادل الذي لا يظلم أحدا . وكل خلقه أمامه سواء ، فلا يظلم أحد منهم لمصلحة أحد . وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف . فالبشر لا يملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم . أفرادا كانوا أم طبقة أم دولة .
وحين يشرع فرد ويحكم فلا بد أن يلحظ في التشريع حماية نفسه وحماية مصالحه . وكذلك حين تشرع طبقة لطبقة ، وحين تشرع دولة لدولة . أو كتلة من الدول لكتلة . . فأما حين يشرع الله فلا حماية ولا مصلحة .
إنما هي العدالة المطلقة ، التي لا يطيقها تشريع غير تشريع الله ، ولا يحققها حكم غير حكمه .
من أجل ذلك كان الذين لا يرتضون حكم الله ورسوله هم الظالمون ، الذين لا يريدون للعدالة أن تستقر ؛ ولا يحبون للحق أن يسود . فهم لا يخشون في حكم الله حيفا ، ولا يرتابون في عدالته أصلا ( بل أولئك هم الظالمون ) . .
ولما كان سبب فعلهم هذا بعد إظهارهم الطاعة مشكلاً ، ناسب أن يسأل عنه ، فقال تعالى مبيناً له بعد التنبيه على ما يحتمله من الحالات : { أفي قلوبهم مرض } أي نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال { أم ارتابوا } بأن حدثت لهم شبهة أعمتهم عن الطريق { أم } ليس فيهم خلل لا أصلي ولا طارىء ، بل الخلل في الحاكم فهم { يخافون أن يحيف } أي يجور { الله } الغني عن كل شيء ، لأن له كل شيء { عليهم } بنصب حكم جائر وهو منزه عن الأغراض { ورسوله } الذي لا ينطق عن الهوى ، بضرب أمر زائغ وقد ثبتت عصمته عن الأدناس .
ولما لم يكن شيء من ذلك كائناً أضرب عنه فقال : { بل أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة { الظالمون } أي الكاملون في الظلم ، لأن قلوبهم مطبوعة على المرض والريب ، لا أن فيها نوعاً واحداً منه ، وليسوا يخافون الجور ، بل هو مرادهم إذا كان الحق عليهم .
قوله : ( أفي قلوبهم مرض ) الاستفهام للتوبيخ والتقريع . والمرض هنا بمعنى النفاق ؛ أي هل في قلوب هؤلاء المستنكفين المعرضين عن حكم الله نفاق ؟ .
قوله : ( أم ارتابوا ) أم أصابهم الشك فزال يقينهم برسول الله ( ص ) وبنبوته ( أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) وذلك استفهام آخر يتضمن توبيخا شديدا لهؤلاء المستنكفين المنافقين ؛ أي هل يخشون أن يجور النبي ( ص ) أو يظلم في قضائه وحكمه ؟ فإنما يقضي النبي ( ص ) بين الناس بما أوحي إليه من ربه وذلكم العدل المطلق ، والحق الأبلج المستبين .
قوله : ( بل أولئك هم الظالمون ) ( بل ) إضراب عن تعلتهم الكاذبة بخوفهم أن يحيف الله عليهم ورسوله ؛ فإن الله لا يظلم أحدا مثقال ذرة . ولكنهم هم أهل ظلم لأنفسهم . فهم متلبسون بالشرك والضلالة والباطل ، ضالعون في الخطيئة والمنكر واتباع الشهوات .
ويستفاد من هذه الآية وجوب إجابة الدعوى إلى الحاكم المؤمن ؛ لأن الله تعالى ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه فلم يجب- بأقبح الذم ، ومن المعلوم في أصول الفقه أن حد الواجب ما ذم تاركه شرعا .
قال بن خويز منداد – من علماء المالكية- : واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق ، أو عداوة بين المدعي والمدعى عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.