عندئذ جن جنون فرعون ، فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال . بعد أن حاول أن يتهم السحرة بالتآمر عليه وعلى الشعب مع موسى !
قال : آمنتم له قبل أن آذن لكم ! إنه لكبيركم الذى علمكم السحر . فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم أجمعين . .
( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) . . لم يقل آمنتم به . إنما عده استسلاما له قبل إذنه . على طريقة المناورات التي يدبرها صاحبها وهو مالك لإرادته ، عارف بهدفه ، مقدر لعاقبته . ولم يشعر قلبه بتلك اللمسة التي مست قلوبهم . ومتى كان للطغاة قلوب تشعر بمثل هذه اللماسات الوضيئة ? ثم سارع في اتهامهم لتبرير ذلك الانقلاب الخطير : ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر )وهي تهمة عجيبة لا تفسير لها إلا أن بعض هؤلاء السحرة - وهم من الكهنة - كانوا يتولون تربية موسى في قصر فرعون أيام أن تبناه ، أو كان يختلف إليهم في المعابد . فارتكن فرعون إلىهذه الصلة البعيدة ، وقلب الأمر فبدلا من أن يقول : إنه لتلميذكم قال : إنه لكبيركم . ليزيد الأمر ضخامة وتهويلا في أعين الجماهير !
ثم جعل يهدد بالعذاب الغليظ بعد التهويل فيما ينتظر المؤمنين :
( فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ) . .
إنها الحماقة التي يرتكبها كل طاغية ، حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه ، يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة ، بلا تحرج من قلب أو ضمير . . وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر الذي يملك تنفيذ ما يقول . . فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور !
ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم ، لما يرون مما هالهم من أمرهم ، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه ، قال تعالى مخبراً عنه : { قال } من غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس ، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحة منه ، منكراً مبادراً موهماً لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن ، لا على نفس الفعل ، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما { آمنتم له } أي لموسى عليه السلام ، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرسالة ، وحقيقة الكلام : أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاماً له بذلك { قبل أن ءاذن لكم } أي في الإيمان ؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع ، لا عن حسن اتباع ، فقال : { إنه } أي موسى عليه السلام { لكبيركم } .
ولما كان هذا مشعراً بنسبته له إلى السحر ، وأنه أعلم منهم به ، فلذلك غلبهم ، أوضحه بقوله : { الذي علمكم السحر } فتواعدتم معه على هذا الفعل ، لتنزعوا الملك من أربابه ، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعاً ، فإن موسى عليه السلام ما ربي إلا في بيته ، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين ، لا يعلم سحراً ، ولا ألم بساحر ، ولا سافر إلا إلى مدين ، ثم لم يرجع إلا داعياً إلى الله ، ولكن الكذب غالب على قطر مصر ، وأهلها أسرع شيء سماعاً له وانقياداً به .
ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة ، أكد المنع بالتهديد فقال : { فلسوف تعلمون* } أي ما أفعل بكم ، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة ، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا ، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع ؛ ثم فسر ما أبهم بقوله : { لأقطعن } بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين { أيديكم وأرجلكم } ثم بين كيفية تقطيعها فقال : { من خلاف } وزاد في التهويل فقال : { ولأُصلبنكم أجمعين* }
قوله تعالى : { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ }
استنكر فرعون إيمان السحرة وخرورهم ساجدين لله مؤمنين منيبين ، فغشيه بسبب ذلك من التغيظ والغضب ما غشيه حتى أخذ يقرّعهم تقريع الأحمق المأفون ، الذي يهذي من غير حجة ولا منطق ، لأنهم آمنوا من غير أن يستأذنوه . وهو قوله : { آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } كان هذا الشقي المتجبر يفيض طبعه فظاظة وشقاوة وكبرا . وكان لفرط اغتراره واستكباره وخيلائه يعجب أن يؤمن أحد من قومه دون الرجوع إليه ؛ فهو يعجب في لجوج وغرور من إيمان القوم قبل أن يأذن لهم لذلك . فراح بذلك يزجرهم ويقرعهم { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } أي إنما فعلتم ذلك عن مواطأة بينكم وبين موسى وهو رئيسكم في السحر وهو الذي علّمكم صنعة السحر . ثم راح يتهددهم متوعدا أن ينزل بهم العقاب الأليم . وهو قوله : { فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } والقطع من خلاف ، معناه قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى . أما الصلب فهو مصدر صلب يصلب صلبا ، وأصله من الصليب وهو الودك ، أي دسم اللحم . والصلب هو قتلة معروفة ، مشتق من ذلك ؛ لأن ودك الثقيل المصلوب وصديده يسيل{[3374]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.