في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (28)

وقبل موسى العرض وأمضى العقد ؛ في وضوح كذلك ودقة ، وأشهد الله :

( قال ذلك بيني وبينك . أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على . والله علي ما نقول وكيل ) .

إن مواضع العقد وشروط التعاقد لا مجال للغموض فيها ، ولا اللعثمة ، ولا الحياء . ومن ثم يقر موسى العرض ، ويبرم العقد ، على ما عرض الشيخ من الشروط . ثم يقرر هذا ويوضحه : ( أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ) . . سواء قضيت ثماني سنوات أو أتممت عشرا ، فلا عدوان في تكاليف العمل ، ولا عدوان في تحتيم العشر ؛ فالزيادة على الثمانية اختيار . . ( والله على ما نقول وكيل ) . فهو الشهيد الموكل بالعدل بين المتعاقدين . وكفى بالله وكيلا .

بين موسى - عليه السلام - هذا البيان تمشيا مع استقامة فطرته ، ووضوح شخصيته ، وتوفية بواجب المتعاقدين في الدقة والوضوح والبيان . وهو ينوي أن يوفي بأفضل الأجلين كما فعل . فقد روي أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أخبر أنه : " قضى أكثرهما وأطيبهما " .

وهكذا اطمأن بموسى - عليه السلام - المقام في بيت حميه ؛ وقد أمن من فرعون وكيده . ولحكمة مقدرة في علم الله كان هذا الذي كان . . فلندع الآن هذه الحلقة تمضي في طريقها حتى تنقضي . فقد سكت السياق فيها عند هذا الحد وأسدل الستار . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (28)

{ قال } أي موسى عليه السلام { ذلك } أي الذي ذكرت من الخيار وغيره { بيني وبينك } أي كائن بيننا على حكم النصفة والعدل والسواء على ما ألزمتني به لازماً ، وما أشرت إلى التفضل به إحساناً ، وعليك ما ألزمت به نفسك فرضاً وفضلاً ؛ ثم بين وفسر ذلك بقوله : { أيما الأجلين } أي أيّ أجل منهما : الثماني أو العشر { قضيت } أي عملت العمل المشروط علي فيه فقد خرجت به من العهدة { فلا عدوان } أي اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد { علي } أي في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب على الزيادة على العشر لا تجب عليّ الزيادة على الثمان ، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدو { والله } أي الملك الأعظم { على ما نقول } أي كله في هذا الوقت وغيره { وكيل* } أي شاهد وحفيظ قاهر عليه وملزم به في الدنيا والآخرة ، فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح والأجر والأجل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (28)

قوله : { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } { ذَلِكَ } في محل رفع مبتدأ . وخبره { بَيْنِي وَبَيْنَكَ } والإشارة عائدة إلى ما عاهده عليه شعيب ؛ أي ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا لا نخرج كلانا عنه . أو هذا الذي قلته من التزامك تزويجي إحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حجج واجب بيني وبينك وكلانا ملوم بالوفاء لصاحبه .

قوله : { أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى } أيّ ، منصوب بالفعل { قَضَيْتُ } وما ، زائدة . والأجلين مجرور بالإضافة وتقديره : أيَّ الأجلين قضيت . وقضيت في موضع جزم ، جملة شرط بأيما . والفاء وما بعدها في موضع جزم جواب الشرط{[3496]} .

والمعنى : أن موسى قال لصاحبه شعيب : أي الأجلين من الثماني حجج والعشر { قَضَيْتُ } أي أتممت وأوفيت في رعي الغنم { فلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيّ } العدوان معناه الظلم الصراح . ومنه التعدي ، وهو التجاوز ، أو مجاوزة الشيء إلى غيره{[3497]} . والمعنى : أن لا تعتدي علي فتطالبني بأكثر مما قضيت .

قوله : { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } الوكيل بمعنى الشاهد والحفيظ ؛ وذلك إشهاد بالله على ما اتفقا عليه{[3498]} .


[3496]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 231.
[3497]:مختار الصحاح ص 419، وأساس البلاغة ص 411.
[3498]:فتح القدير جـ 3 ص 169، وتفسير الرازي جـ 24 ص 234، وتفسير البضاوي ص 514.