في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (32)

18

ويقول عن الآية الثانية : ( قل أطيعوا الله والرسول . فإن تولوا ) . . أي تخالفوا عن أمره ( فإن الله لا يحب الكافرين ) . . فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر ، والله لا يحب من اتصف بذلك ، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله . .

ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه : " زاد المعاد في هدى خير العباد " :

" ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له [ ص ] بالرسالة وأنه صادق ، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام . . علم أن الإسلام أمر وراء ذلك ، وأنه ليس مجرد المعرفة فقط . ولا المعرفة والإقرار فقط . بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا . . "

إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها . . حقيقة الطاعة لشريعة الله ، والاتباع لرسول الله ، والتحاكم إلى كتاب الله . . وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام . توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها ، وتطوعهم لأمرها ، وتنفذ فيهم شرعها ، وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها . ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا ، كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله . وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير .

وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة - كما رأينا - في صورة ناصعة كاملة شاملة ، لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما . إن الدين عند الله الإسلام . . وهذا - وحده - هو الإسلام كما شرعه الله ، لا كما تصوره المفتريات والأوهام . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (32)

ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال - أو يقال : لما كان صلى الله عليه وسلم في غاية الرأفة بالعباد وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى : فإن لم يقدروا على كمال اتباعي ؟ فقال : { قل } وقال الحرالي : ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين ، في رتبتين أولاهما{[16251]} في الذكر بحالتين{[16252]} من موجب التحذيرين ، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير{[16253]} الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة ، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق ، فمن أطاع الله ورسوله فيما نهى عنه{[16254]} من اتخاذ{[16255]} {[16256]}ولاية الكافرين من دون{[16257]} ولاية المؤمنين سلم من التحذير الظاهر ، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن ، فختم الخطاب بما به {[16258]}بدأ ، أو{[16259]} لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار ، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة ، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة ، فكأن الخطاب يفهم : { قل{[16260]} إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } [ آل عمران : 31 ] ، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني ، انتهى . فقال سبحانه وتعالى : { قل أطيعوا الله } أي{[16261]} لما له من صفات الكمال . ولما قدم أن رضاه في اتباعه صلى الله عليه وسلم فدل على أن الطاعتين{[16262]} واحدة قال موحداً{[16263]} للعامل : { والرسول } أي الكامل في الرسلية لما له به{[16264]} سبحانه وتعالى من مزايا الاتصال ، وهو وإن{[16265]} كان اسماً كلياً لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب مختصاً{[16266]} بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته{[16267]} طاعة{[16268]} لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صلى الله عليه وسلم و{[16269]}عليهم أجمعين وسلم{[16270]} . قال الحرالي : فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك ، وفيه إشعار بأن الأمر يكون{[16271]} فيه محوطاً بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو{[16272]} رحمة للعالمين

{ فإن تولوا } أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله سبحانه وتعالى والرحمة{[16273]} من رسول الله - انتهى .

و { تولوا } يحتمل المضارع والمضي ، فكان الأصل في الكلام : { فإن الله } الذي له الغنى المطلق لا يحبكم ، أو : لا يحبهم ، ولكنه أظهر الوصف المعلم{[16274]} بأن التولي كفر فقال : { لا يحب الكافرين * } قال الحرالي : أفرد لله لما كان وعيداً ، إبقاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في حيز الرحمة .

ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعاره أن هذا الكفر عموم كفر يداخل رتباً{[16275]} من الإيمان من حيث نفى عنه{[16276]} الحب فنفى منه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص{[16277]} الكفر ، لأنه كفر دون كفر ، ومن فيه كفر{[16278]} فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر ، وإنما يحب الله من اتبع رسوله ، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده ، فكلما كان أكمل توحيداً{[16279]} كان أحب ، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفراً بحسب ما يغطى{[16280]} على{[16281]} تلك الرتبة من التوحيد ، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية{[16282]} توحيدية ، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف{[16283]} غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى .

وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل{[16284]} نظمها : فإن تولوا فإن الله لا يحبهم لكفرانهم{[16285]} ، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم ، فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل {[16286]}على حذف الإقبال من الثاني ، وإثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول .


[16251]:من ظ ومد، وفي الأصل: أولهما، وزيد فيه بعده: فعل ماض أي أولى أي أتبع التحذيرين، ولم تكن الزيادة في ظ و مد فحذفناها، فهذه الجملة في الأصل وقعت تفسيرا من الناسخ للصيغة التي قبلها.
[16252]:في ظ: محلين.
[16253]:زيد بعده في الأصل: من ، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16254]:سقط من ظ.
[16255]:من ظ ومد، وفي الأصل: اتحاد.
[16256]:قط من ظ.
[16257]:قط من ظ.
[16258]:ي ظ: بدلاو، وفي مد: بداو.
[16259]:ي ظ: بدلاو، وفي مد: بداو.
[16260]:قظ من ظ ومد.
[16261]:قط من ظ.
[16262]:ن مد، وفي الأصل و ظ: الطاعة.
[16263]:ن ظ و في الأصل ومد: موجدا.
[16264]:يد من ظ ومد.
[16265]:من ظ ومد، وفي الأصل: إنه.
[16266]:من ظ ومد، وفي الأصل: مختص.
[16267]:ن ظ ومد، وفي الأصل: إطاعته.
[16268]:يد من ظ ومد.
[16269]:تقدم في ظ ومد على "عليهم".
[16270]:تقدم في ظ ومد على "عليهم".
[16271]:سقط من ظ.
[16272]:ن ظ ومد، وفي الأصل: هم.
[16273]:بد من ظ ومد.
[16274]:من ظ ومد، وفي الأصل: العلم.
[16275]:ن مد، وفي الأصل: ربنا، وفي ظ: رتبة. سقط من مد.
[16276]:ي مد: تناقض.
[16277]:يد من ظ ومد.
[16278]:ن ظ ومد، وفي الأصل: توحيد.
[16279]:ي ظ: يعطى.
[16280]:ي مد: عن.
[16281]:ي ظ ومد: حبيه.
[16282]:في ظ: يعطى.
[16283]:ن ظ ومد، وفي الأصل: كشفه.
[16284]:من ظ ومد، وفي الأصل: فاهل.
[16285]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بكفرانهم.
[16286]:ن ظ ومد، وفي الأصل: فدل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (32)

ثم يؤكد الله ذلك بمعاودة التذكير بضرورة الامتثال لشرع الله المبين في الكتاب الحكيم وفي السنة المطهرة . وعقيب هذا التأكيد ثمة تهديد لمن تولى عن طاعة الله ورسوله وعن الالتزام بشرائع الإسلام كاملة أنه سلك سبيل الكافرين والعياذ بالله . وذلك هو مقتضى قوله سبحانه : ( قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين )