في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} (38)

33

عندئذ تحركت في نفس زكريا ، الشيخ الذي لم يوهب ذرية ، تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية . الرغبة في الذرية . في الامتداد . في الخلف . . الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد ، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل . إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها :

( هنالك دعا زكريا ربه . قال : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة . إنك سميع الدعاء . . فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى ، مصدقا بكلمة من الله ، وسيدا وحصورا ، ونبيا من الصالحين . . قال : رب أنى يكون لي غلام ، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر . قال : كذلك الله يفعل ما يشاء . قال : رب اجعل لي آية . قال : آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ؛ واذكر ربك كثيرا ، وسبح بالعشي والإبكار )

وكذلك . . نجدنا أمام حادث غير عادي . يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية ، وعدم تقيدها بالمألوف للبشر ، الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه ؛ ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون ! فإذا لم يستطيعوا تكذيبه ، لأنه واقع ، صاغوا حوله الخرافات والأساطير !

فها هو ذا " زكريا " الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها . . ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف - وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة - فيتوجه إلى ربه يناجيه ، ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة :

( هنالك دعا زكريا ربه . قال : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة . إنك سميع الدعاء ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} (38)

ولما كان كأنه قيل : فما قال زكريا حينئذ ؟ قيل : { هنالك } أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار { دعا زكريا ربه } تذكراً لما عودهم الله سبحانه وتعالى {[16554]}به من الإكرام ، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة ، قال الحرالي : لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق{[16555]} عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر ، الكافلة{[16556]} له في هذا المعنى ، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن{[16557]} يرزقه ولداً في غير إبانه{[16558]} كما رزق مريم رزقاً في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى . { قال رب } أي{[16559]} الذي عودني{[16560]} بإحسانه { هب لي من لدنك } قال الحرالي : طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى : وعلمناه{[16561]} من لدنا علما{[16562]} ً{[16563]} }[ الكهف : 65 ] ، و{[16564]}كما قال فيه{[16565]} { وحناناً من لدنا{[16566]} }[ مريم : 13 ] ، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند { ذرية } فيه إشعار بكثرة ونسل باق ، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيى حصوراً لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى . { طيبة } أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص ، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله{[16567]} : { إنك سميع الدعاء } أي مريده ومجيبه{[16568]} لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجيب إذا كان قادراً كاملاً ، وقد ثبتت{[16569]} القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل{[16570]} إلا من الحي القيوم ، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع ، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل{[16571]} فيه لأنها مربوبة{[16572]} . قال الحرالي : أعلم الداعي بما لله سبحانه وتعالى من الإجابة ، والقرب " {[16573]}وسيلة في قبول{[16574]} " دعائه - انتهى .


[16554]:لعبارة من هنا إلى "سبحانه وتعالى" تكررت في الأصل.
[16555]:ن ظ ومد، وفي الأصل: آية تخرق.
[16556]:ن ظ ومد، وفي الأصل: آية تخرق.
[16557]:ن مد، وفي الأصل و ظ: الكفالة.
[16558]:يد من مد، وفي ظ موضعه: الذي.
[16559]:ن مد، وفي الأصل: إبانة، وفي ظ: إنانة.
[16560]:ن ظ، وفي الأصل: أيها، وسقط من مد. في ظ: وعدني.
[16561]:ن ظ ومد، وفي الأصل: علمنا.
[16562]:سورة 18 آية 65.
[16563]:ا بين الحاجزين زيد من ظ ومد، غير أن "علما" ليس في مد.
[16564]:من ظ ومد، وفي الأصل: هو.
[16565]:سقط من ظ.
[16566]:ورة 19 آية 13.
[16567]:سقط من ظ.
[16568]:يد من ظ ومد.
[16569]:ي ظ: لبست.
[16570]:ن ظ، وفي الأصل: لا يصلح، وفي مد: لا تصلح.
[16571]:ن ظ، وفي الأصل: يشك، وفي مد: يسيل.
[16572]:ي مد: مربوبه.
[16573]:ي ظ: ونسأله في قرب.
[16574]:ي ظ: ونسأله في قرب.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} (38)

قوله تعالى : ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين )

لما وجد زكريا ما كتب الله لمريم من كرامة الرزق الحسن على هذا النحو المثير العجيب ، طمع حينئذ أن يهبه الله ولدا عسى أن يحظى بمثل الكرامة المفضلة المشهودة . مع أن زكريا كان شيخا ، وقد وهن منه العظم واشتغل رأسه شيبا ، وكانت امرأته كذلك كبيرة وعاقرا ، وبالرغم من ذلك فقد سأل زكريا ربه أن يهب له من عنده ذرية طيبة ، أي ولدا صالحا ( إنك سميع الدعاء ) أي تجيب دعاء من دعاك ولا تخيب رجاءه .