ولكنها وضعتها أنثى ؛ ولم تضعها ذكرا !
( فلما وضعتها قالت : رب إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى . وإني سميتها مريم . وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) . .
لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ؛ فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان ، ليخدموا الهيكل ، وينقطعوا للعبادة والتبتل . ولكن ها هي ذي تجدها أنثى . فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة :
ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت ، وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة .
ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال : ( وإني سميتها مريم ) . .
وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة . مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه . يحدثه بما في نفسه ، وبما بين يديه ، ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا . وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم . حال الود والقرب والمباشرة ، والمناجاة البسيطة العبارة ، التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . مناجاة من يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا .
( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) . .
وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها ، وتدعها لحمايته ورعايته ، وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم . .
وهذه كذلك كلمة القلب الخالص ، ورغبة القلب الخالص . فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم !
ولما أخبر بما اقتضى مضي عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال : { فلما وضعتها قالت } أي تحسراً ذاكرة وصف الإحسان استمطاراً للامتنان { رب إني وضعتها } قال الحرالي : من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل{[16424]} { أنثى } هي أدنى زوجي{[16425]} الحيوان المتناكح - انتهى . ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر{[16426]} بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك ، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت : { والله } أي الذي له صفات الكمال .
ولما كان المراد التعجيب{[16427]} من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت{[16428]} عنها بما فقالت{[16429]} : { أعلم بما وضعت } وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله ، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو{[16430]} إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة{[16431]} معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال ، حتى كانت ممن كمل من النساء لما{[16432]} لا يصل إليه كثير من رجال عالمها ، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكراً وحقيقته أنثى .
ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما{[16433]} يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت : { وليس الذكر } أي{[16434]} الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته من العوارض{[16435]} المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة{[16436]} { كالأنثى } التي وضعتها ، وهي داخلة في عموم{[16437]} النذر{[16438]} بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك ، ولو قالت : وليست الأنثى كالذكر ، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة .
قال الحرالي : وفي إشعار هذا القول تفصل{[16439]} مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافاً لنذرها ، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت ، فجعلها الله سبحانه وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها{[16440]} ، فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى . ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه وتعالى كالحالية{[16441]} التي قبله إذا أسكنت التاء ، والتقدير : قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت ، والحال أيضاً{[16442]} أنه ليس الذكر الذي{[16443]} أرادته بحكم معتاد النذر{[16444]} كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه ، بل هي أعلى ، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين لحكم التوراة ، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سبباً في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم ، وتلد صاحب شريعة مستقلة ، ثم{[16445]} يكون مقرراً لأعظم الشرائع .
ولما تم ما قالته عند الوضع أو قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها{[16446]} وأنها عدلت{[16447]} عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة ، وأكدت إعلاماً بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا : { وإني سميتها مريم } ومعنى هذا الاسم بلسانهم : العابدة . قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه{[16448]} أن يجعل له اسماً ، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول{[16449]} : يا رب ! أضاعوني ، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها{[16450]} ، فيكون إبداؤها لها{[16451]} وضع عين وإظهار اسم ، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين ، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عيناً واسماً .
ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقاً أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولاً كما هو جاعلها معاذة كوناً من حيث هي له{[16452]} ، وما كان في حمى{[16453]} الملك لا يتطرق إليه طريدة{[16454]} فقالت : { وإني أعيذها بك } وفي قوله : { وذريتها } إشعار بما أوتيته{[16455]} من علم{[16456]} بأنها ذات{[16457]} ذرية ، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله ، فهو معلمه لمن شاء{[16458]} .
ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره{[16459]} بعيداً ممن أحرقه بنار البعد وأهانه{[16460]} بالرجم{[16461]} حققت الإعادة بقولها : { من الشيطان الرجيم * } وفي هذا التخليص{[16462]} لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي{[16463]} لما شق صدره ونبذ حظ{[16464]} الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية ، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني ، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صلى الله عليه وسلم اتصال واصل ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي ، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من{[16465]} قومة دينه " .
قوله : ( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ) كان الغالب على ظنها أنه ذكر وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى .
قوله : ( والله أعلم بما وضعت ) وهذا من كلام الله ، لا أم مريم . وهو قول عامة القراء . أي أن ذلك خبر من الله عز وجل عن نفسه أنه العالم بما وضعت . وقيل : إن ذلك على وجه الخبر عن أم مريم أنها هي القائلة . والأول أصوب . وعلى هذه القراءة- وهي أن قائل ذلك هو الله- يكون المعنى أن الله تعالى قال : والله أعلم بما وضعت تعظيما لولدها وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد . ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور وأن يجعله ( مريم ) وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسرت .
وفي قراءة ابن عباس ( والله أعلم بما وضعت ) على خطاب الله لها . أي : أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله العالم بما فيه من العجائب والآيات .
قوله : ( وليس الذكر كالأنثى ) أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى .
قوله : ( وإني سميتها مريم ) أي العابدة في لغتهم .
قوله : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) أي وإني أجعل معاذها ومعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم بك ، وأصل المعاذ الموئل والملجأ المعقل . نقول : عاذ به ، واستعاذ به أي لجأ إليه . وهو عياذه ، أي ملجؤه . ومعاذ الله ، أي أعوذ بالله معاذا . وعذت به معاذا وعياذا ، أي اعتصمت{[452]} .
أي أن امرأة عمران ما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلا خادما لبيت الله تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان الرجيم وأن يجعلها من الصالحات القانتات{[453]} .
والشيطان : كل عاتٍ متمرد من الإنس أو الجن أو الدواب . والشاطن معناه الخبيث . والعرب تسمي الحية شيطانا{[454]} .
والرجيم . من الرجم وهو القتل ، وأصله الرمي بالحجارة . رجم فلانا أي رماه بالفحش من القول ، أو لعنه ، أو اطرده{[455]} أي أن امرأة عمران أعوذت ابنتها مريم بالله عز وجل من شر الشيطان ، وأعوذ ذرية مريم وهو ولدها عيسى المسيح عليه السلام ، أي تضرعت إلى الله أن تكون مريم وولدها في رعاية الله وصنه ، وأن يكونا في عياذ الله أي في عصمته وكلاءته .
وقد استجاب الله لها دعاءها . يؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مسه إياه إلا مريم وابنها " ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) {[456]} .