في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ} (131)

128

وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين ؛ وإلى الناس أجمعين ؛ ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن ؛ وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار ؛ وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم ، تقص عليهم آيات الله ، وتنذرهم لقاء يومهم هذا . . ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه ، بأن عذاب الله لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار ؛ وأن الله لا يأخذ العباد بظلمهم [ أي بشركهم ] إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم ؛ وتقص عليهم الآيات ، وينذرهم المنذرون :

( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى - بظلم - وأهلها غافلون ) . .

لقد اقتضت رحمة الله بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل ، على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر - وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك -

فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري .

لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام لا واستنقاذ العقل من الانحراف ، واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس . وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار .

وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله ، كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل ؛ وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال ، ولا تهدي إلى يقين ، ولا تصبر على ضغط الشهوات . .

ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ} (131)

ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة{[31266]} على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام ، علل إرسالهم ترغيباً وحثاً في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب ، وتنبيهاً وإرشاداً في صادع تخويف وتأديب فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل { أن } أي لأجل أنه{[31267]} { لم يكن ربك } أي المحسن إليك بتشريف قومك { مهلك } أي ثابتاً إهلاكه { القرى بظلم } أي بسبب ظلم ارتكبوه { وأهلها غافلون * } أي{[31268]} غريقون في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم ، أي{[31269]} بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات ، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم ، فأرسلنا إليهم الرسل حتى{[31270]} أيقظوهم من{[31271]} رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم ، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب ، ويجوز أن يكون المعنى : مهلكهم ظالماً ، فيكون المنفي من الظلم{[31272]} كالمنفي في قوله تعالى { وما ربك بظلام للعبيد{[31273]} }[ فاطر : 46 ]{[31274]} وعلى الأول المنفي ظلمهم{[31275]} .


[31266]:زيد بعده في ظ: عليهم.
[31267]:سقط من ظ.
[31268]:زيد بعده في ظ: أهلها.
[31269]:سقط من ظ.
[31270]:في ظ: أيقظوا.
[31271]:في ظ: أيقظوا.
[31272]:في ظ: أظلم.
[31273]:سورة 41 آية 46.
[31274]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31275]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ} (131)

قوله تعالى : { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون ( 131 ) ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما يعملون } .

اسم الإشارة { ذلك } يحتمل وجهين من الإعراب . أحدهما : أنه في محل رفع على أنه خبر ، ومبتدأه تقديره : الأمر ذلك . وثانيهما : أنه مبتدأ وخبره محذوف مقدر . أو خبره قوله تعالى : { أن لم يكن ربك مهلك القرى } وأن ، مخففة من الثقيلة . وتأويل الآية أن الله لم يعذب الناس إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل إليهم . فلم يعاجلهم بالعقاب لشركهم وهم في غفلة حتى يبعث إليهم رسله لتنبيههم على حجج الله وتنذيرهم عذابه يوم معادهم إليه كيلا يحتجوا ويقولوا : { ما جاءنا من بشير ولا نذير } .

وقيل في تأويلها وجه آخر وهو : أن الله لا يهلك القرى بشرك من أشرك وكفر من كفر من أهلها وهم غافلون . وهو كقوله : { ولا تزر وازرة أخرى } .