ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الايمان في داخل القلوب والنفوس :
( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
من يقدر الله له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - ( يشرح صدره للإسلام ) ؛ فيتسع له ؛ ويستقبله في يسر ورغبة ، ويتفاعل معه ، ويطمئن إليه ؛ ويستروح به ويستريح له .
ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه ( يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) . . فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ، ( كأنما يصعد في السماء ) . . وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية ، من ضيق النفس ، وكربة الصدر ، والرهق المضني في التصعد إلى السماء ! وبناء اللفظ ذاته ( يصعد )- كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد . وجرسه يخيل هذا كله ، فيتناسق المشهد الشاخص ، مع الحالة الواقعة ، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد .
وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب :
( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
. . كذلك . . بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى ، ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .
ومن معاني الرجس : العذاب . ومن معانيه كذلك : الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه ! وهو الظل المقصود !
على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة الله - سبحانه - واتجاهات البشر ؛ وما يصيبهم من الهدى والضلال ، وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب . . إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني ! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي ، وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها ، موسومة بطابع المنطق الذهني .
إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني . وكذلك يقتضي التعامل مع " الواقع الفعلي " لا مع " القضايا الذهنية " . فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع ؛ وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله . في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله .
فإذا قيل : إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية . وإذا قيل : إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك ! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل ، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي . بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم . .
ولكن تصور الحقيقة " الفعلية " كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني . وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها . . إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها . . وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية .
كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية . . إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحاً له . . هو من صنع الله قطعاً . . فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه . والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسراً . . هو من صنع الله قطعا . . لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه ويجري به كذلك . . وكلاهما من إرادة الله بالعبد . . ولكنها ليست إرادة القهر . إنما هي الإرادة التي انشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلي هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة . وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال .
وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية . وحين يتم التعامل مع هذه القضايا ، بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة ، والتجربة الواقعية في التعامل معها ، فإنه لا يمكن أبداً أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة . . وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي . . وفي غيره كذلك !
إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة . .
ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال ، ومن يقبل الهداية في الحال أو المآل{[31093]} ، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته ، علم أن الأمر أمره ، والقلوب بيده ، فتسبب عن ذلك قوله : { فمن يرد الله } أي الذي له جميع الجلال والإكرام { أن يهديه } أي يخلق{[31094]} الهداية في قلبه من أكابر المجرمين أو غيرهم { يشرح صدره } أي يوسعه بأن يجعله مهيئاً قابلاً بالنور { للإسلام } قال الإمام أبو جعفر النحاس : روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " يا رسول الله ! وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : نعم ، يدخل القلب نور ، فقال : وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : التجافي عن دار الغرور{[31095]} والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل{[31096]} الموت " ، وفي رواية : الفوت { ومن يرد } أي الله ، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع { أن يضله } أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه { يجعل صدره } أي الذي هو مسكن{[31097]} قلبه الذي هو معدن الأنوار { ضيقاً حرجاً } أي شديد الضيق فيكون{[31098]} مرتجساً أي مضطرباً ، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر أعرابياً من كنانة من بني مدلج فقال له : ما الحرجة ؟ فقال : شجرة لا تصل إليها{[31099]} وحشية ولا راعية ، وساق البغوي القصة{[31100]} ولفظه : وقال : الحرجة فينا الشجرة تكون{[31101]} بين الأشجار التي{[31102]} لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب{[31103]} الكافر{[31104]} لا يصل إليه شيء من الإيمان و الخير ؛ وزاد البغوي : قال سيبويه : الحرج - بالفتح المصدر{[31105]} ، ومعناه :{[31106]} ذا حرج{[31107]} ، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق ، وقال المهدوي : هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه ، وقال في النساء في قوله تعالى { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت{[31108]} }[ النساء : 65 ] أي ضيقاً ، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد : إنه الشك ، وقول الضحاك : إنه الإثم ، كأنه ضيق شك{[31109]} أو ضيق إثم ؛ وقال النحاس{[31110]} : { حرجاً مما قضيت } أي شكاً وضيقاً ، وأصل الحرج الضيق - انتهى . وتحقيق ذلك أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل{[31111]} دون فاعل - تأكيد آخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل ، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه ، فمعنى الفتح : ضيقاً - بكسر الضاد وإسكان الياء{[31112]} ومعناه - إن كسرتَ حرجاً - ضيقاً{[31113]} بإعادة اسم الفاعل ، ومادة حرج بخصوص{[31114]} هذا الترتيب تدور على المكان الضيق الكثير{[31115]} الشجر ، ويلزمه الشخوص{[31116]} على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة والحيرة والحر والبرد ، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة : حرج جحر{[31117]} رجح حجر{[31118]} جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف ، ويلزمه الثقل{[31119]} والمنع والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق ، فيرجع إلى الصلابة الحرجُ بمعنى الضيق ، والحرجة للغيضة ، والحرج للقلادة من الودع{[31120]} ، والحرجوج للريح الشديدة الباردة ، والناقة الحرجوج للوقادة القلب ، ويجوز رجوعها إلى الحدة ، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره ، ولضيقه عن أسرّة الأحياء ، ومنه أيضاً جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض ، ويرجع إلى الثقل{[31121]} الحرجُ بمعنى الإثم ، وينشأ{[31122]} عن ذلك البعث{[31123]} المفضي إلى الحيرة ، ومنه حرجت عينه ، أي حارت فلا تطرف{[31124]} ، ويلزم الثقل{[31125]} أيضاً الجرحُ بمعنى الطعن النافذ في البدن ، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالاً ، لأنه من آثاره ، ومنه الرجحان بمعنى الثقل ، والحكم{[31126]} الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه ، ومنه الأرجوحة لأن كلاًّ من طرفيها يرجح بالآخر ، ويرجع إلى المنع{[31127]} الحجرُ بمعنى العقل وبمعنى الحضن{[31128]} والحرام والفرس{[31129]} الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد ، والحجر في المال ، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر باع - امتنع منك ، وكان التأنيث فيه لقربه{[31130]} ، ويرجع إلى الشخوص{[31131]} الحرجُ للناقة الطويلة ؛ وقال الإمام أبو الفتح ابن جني{[31132]} رحمه الله في كتابه " المحتسب في توجيه القراءات الشواذ " عند قوله تعالى في هذه السورة " وحرث حرج{[31133]} " فيمن قرأ بتقديم الراء : إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع ، وإذا أنعمت النظر وتركت{[31134]} الملل والضجر وجدت الأمر{[31135]} كما قال - والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة{[31136]} وبقيته ، وكله{[31137]} إلى التماسك والضيق ، ومنه الحرج للضيق{[31138]} والجرح مثله ، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله ، ومنه الحجر وبابه لضيقه ، ومنه الجرح لمخالطة{[31139]} الحديد للحم وتلاحمه{[31140]} عليه ، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعاً بينه وبينها ، فإن قلت : فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض{[31141]} فقد بعد الآخر ؟ قيل : كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض ، فأما الآخر فلا يقال له : راجح ، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى { وحرث حرج{[31142]} } في معنى حجر ، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلاّ من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى .
ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد{[31143]} الهداية تصل إليه ، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكاً فنكصت ، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبداً ؛ كانت ترجمته قوله : { كأنما يصعد } أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود { في السماء } في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن ، بما أشار{[31144]} إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد ، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية{[31145]} القسرية ، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئاً ثقيلاً ويصعد به في جدار أملس ، فيصير يتكلف ذلك فيقع ، ثم يتكلف الصعود ايضاً فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط ، وربما سقط دونه ، فهو مما{[31146]} يمتنع عادة ، فلا يزال مرتجساً أي مضطرباً ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي .
ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه ، وكان{[31147]} الرجس في الأصل{[31148]} لما يستقذر ، والمستقذر ينفر منه ، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالاً{[31149]} ، وهو أن يقال{[31150]} : هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا{[31151]} الزمان ، أجيب بما حاصله : لا ، { كذلك } أي مثل ما جعل الله الرجس على من{[31152]} أراد ضلاله من أهل هذا{[31153]} الزمان { يجعل الله } أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة { الرجس } أي الاضطراب والقذر { على الذين لا يؤمنون } من أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولاً الضلال دليلاً على حذفه ثانياً ، وذكر الرجس ثانياً دليلاً على حذفه أولاً ، والآية نص في{[31154]} أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر .
قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } .
من يرد الله هدايته للحق والإيمان { يشرح صدره للإسلام } أي يفتح قلبه لنور الإسلام حتى يستقبله بانشراح وراحة ورضى فيقبله قبول المتيقن المطمئن ويعيه وعي الجذلان المحبور .
قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } أي من يرد الله إضلاله وخذلانه { يجعل صدره ضيقا حرجا } منصوبان على الحال ، إذا كان { يجعل } يعني يخلق . وقيل : { حرجا } وصف للمصدر . مثل : رجل عدل .
والضيق يراد به هنا القسوة والنبو عن قبول الحق . أي يضيق صدره وينسد انسداد الكز{[1271]} المغاليق . وذلك هو تقدير الله في خلقه ، يصنع ما يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه . وهو سبحانه أحكم الحاكمين . والحرج معناه الضيق الشديد . وقيل : أضيق الضيق . قال ابن عباس في تأويل قوله : { ضيقا حرجا } : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه . وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك .
وذلك هو شأن العتاة الجاحدين من خصوم الإسلام في كل زمان . منهم بارعون ناشطون دهاة في التصدي للإسلام بالكيد والعداء والتخطيط الخبيث في الظلام . أولئك يكرهون الإسلام كراهية بالغة مسرفة . كراهية مركومة ومركوزة في العميق من نفوسهم الحافلة بالغيظ والحقد على الإسلام وأهله . إن هذا الصنف من الناس ما يكاد يسمع عن عزة الإسلام وروائعه وأمجاده شيئا تحيط به الحسرة والنفور ويأخذه التسخط والامتعاض ويطوق قلبه وروحه التبرم والحسد لفرط ما ينحبس في صدره من كراهية للإسلام وأهله . مع أن الإسلام جاء رحمة للبشرية كافة . وكذلك المسلمون فإنهم أحرص الناس على الرحمة بالإنسانية ودفع الأذى والشر والضر عنها . الله يعلم أن المسلمين أعطف الخليقة بالخلائق عامة لما قذفه الإسلام بعقيدته وتعاليمه من غامر الرأفة والتحنان في قلوبهم .
قوله : { كأنما يصعد في السماء } يصعد ، بالتشديد ، أي يتكلف ما لا يطيق من المشقة والعناء مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء . وقيل : كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوّا عن الإسلام . والمراد أن الذي يضيق صدره حرجا لدى سماع القرآن أو الإسلام فإنه يشق عليه الإيمان مثلما يشق عليه صعود السماء ، وهو ما لا يستطيعه أو يطيقه كائن بقدراته العادية . وفي الصعود إيحاء ببالغ المشقة والإرهاق والتعسير . ومنه قوله سبحانه : { سأرهقه صعودا } وذلك تصوير رباني بالغ ومبين يكشف عن حال المعاندين الغلاظ الذين تتجافى قلوبهم عن قبول العقيدة الإسلامية أو تتعامى أنظارهم وعقولهم عن إدراك الإسلام بحقائقه الكريمة المستفيضة . هؤلاء الجفاة المتربصون إذا سمعوا الإسلام أو دعوا إليه ضاقوا ذرعا بل ضاقت بهم السبل والدنيا بما رحبت ، وأخذهم من فرط الاغتمام والحنق والمكابدة مثل ما يجده الذي يصعد في السماء حسيرا وجلا مذعورا .
قوله : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } الكاف في اسم الإشارة صفة للمصدر . والتقدير : مثل ذلك الجعل يجعل الله الرجس والأصل في الرجس أنه النتن ، والنجس . وقيل : العذاب وقيل : الإثم . والمعنى : أنه مثلما جعل الله الصدر ضيقا حرجا فإنه يجعل الرجس : العذاب أو الإثم على الجاحدين للتوحيد المكذبين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم{[1272]} .