في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَـٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (5)

4

وحين يكون الأمر كذلك . حين يكون الإعراض متعمدا ومقصودا - مع توافر الأدلة ، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد :

( فقد كذبوا بالحق لما جاءهم . فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ) . .

إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، وخالق الإنسان من طين ، والإله في السماوات وفي الأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون . . إنه الحق وقد كذبوا به ، مصرين على التكذيب ، معرضين عن الآيات ، مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان . . فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون !

ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل ، الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده . . يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَـٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (5)

ولما كان إعراضهم عن النظر سبباً لتكذيبهم ، وهو سبب لتعذيبهم قال{[28588]} : { فقد كذبوا } أي أوقعوا تكذيب الصادق { بالحق } أي بسبب الأمر الثابت الكامل في الثبات كله . لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة منها { لما جآءهم }{[28589]} أي لم يتأخروا عند المجيء أصلاً لنظر ولا لغيره ، وذلك أدل ما يكون على العناد . {[28590]}

ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه{[28591]} الغايةَ القصوى ، وهي الاستهزاء ، قال : { فسوف يأتيهم } أي بوعد صادق لا خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه { أنباء ما كانوا } أي جبلة وطبعاً { به يستهزئون } أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه ، وهو أبعد شيء عن الهزء ، والنبأ : الخبر العظيم ، وهو الذي يكون معه الجزاء ، وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى كثيراً من المترفين لا يعجب{[28592]} من العجب ويعجب{[28593]} من غير العجب ، أو أنه عد{[28594]} استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدماً .


[28588]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[28589]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "الاستهزاء قال" والترتيب من ظ.
[28590]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "الاستهزاء قال" والترتيب من ظ.
[28591]:في ظ: تكذيبه.
[28592]:في ظ: فلا تعجبب.
[28593]:في ظ: تعجب.
[28594]:في ظ: قد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَـٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (5)

قوله : { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم } المراد بالحق القرآن . والفاء في قوله : { فقد } تفيد الترتيب . والمراد ترتيب ما بعدها على ما قبلها من المعاني . والمقصود أن هؤلاء المعاندين الجاحدين لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم ما أنزل الله على العالمين من آيات ومعجزات ، فكيف لا يعرضون عن غيره من الدلائل الأخرى .

قوله : { فسوف يأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون } المراد بالأنباء العذاب الذي أعده الله لهؤلاء الضالين . وهذا تهديد من الله لهم ووعيد شديد في مقابلة تكذيبهم وإعراضهم عن الحق فلسوف يذوقون وبال هذا الإعراض وهذا النكول . وسيظهر لهم وبال استهزائهم بهذا الدين وهذا القرآن العظيم عندما يحيق بهم الخزي في الدنيا عقيب ظهور الإسلام وعلو شأنه ، أو في الآخرة حيث العذاب الحارق الواصب .