في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

4

وفي موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر ، وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال ، كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب .

( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ، وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . فأهلكناهم بذنوبهم ، وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) .

ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة . وقد مكنهم الله في الأرض ، وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة ؛ وأرسل المطر عليهم متتابعا ينشىء في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق . . ثم ماذا ؟ ثم عصوا ربهم ، فأخذهم الله بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم جيلا آخر ، ورث الأرض من بعدهم ؛ ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض ! فقد ورثها قوم آخرون ! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر َ ! ما أهونهم على الله ؛ وما أهونهم على هذه الأرض أيضا ! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء ؛ إنما عمرها جيل آخر ؛ ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان ؛ ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء !

وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن الله لهم في الأرض . ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله ، ليبلوهم فيه : أيقومون عليه بعهد الله وشرطه ، من العبودية له وحده ، والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت ، تدعي حقوق الألوهية وخصائصها ؛ ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف .

إنها حقيقة ينساها البشر - إلا من عصم الله - وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف ؛ ويمضون على غير سنة الله ؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف ، ويقع الفساد رويدا رويدا وهم ينزلقون ولا يشعرون . . حتى يستوفي الكتاب أجله ؛ ويحق وعد الله . . ثم تختلف أشكال النهاية : مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال - بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام - ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوام - ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض ؛ فيعذب بعضهم بعضا ، ويدمر بعضهم بعضا ، ويؤذي بعضهم بعضا ، ولا يعود بعضهم يأمن بعضا ؛ فتضعف شوكتهم في النهاية ؛ ويسلط الله عليهم عبادا له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم ، ويقتلعونهم مما مكنوا فيه ؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم . . وهكذا تمضي دورة السنة . . السعيد من وعى أنها السنة ، ومن وعى أنه الابتلاء ؛ فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه . والشقي من غفل عن هذه الحقيقة ، وظن أنه أوتيها بعلمه ، أو أوتيها بحيلته ، أو أوتيها جزافا بلا تدبير !

وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي ، أو المستهتر الفاسد ، أو الملحد الكافر ، ممكنا له في الأرض ، غير مأخوذ من الله . . ولكن الناس إنما يستعجلون . . إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ؛ ولا يرون نهاية الطريق . . ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء ! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث . . والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق ؛ فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق !

إن هذا النص في القرآن : ( فأهلكناهم بذنوبهم ) . . وما يماثله ، وهو يتكرر كثيرا في القرآن الكريم . . إنما يقرر حقيقة ، ويقرر سنة ، ويقرر طرفا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ . .

إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها ، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ؛ وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير ، أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب . . كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ : فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال ؛ من عوامله ، فعل الذنوب في جسم الأمم ؛ وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار ؛ إما بقارعة من الله عاجلة - كما كان يحدث في التاريخ القديم - وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي ، الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب !

وأمامنا في التاريخ القريب - نسبيا - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي ، والدعارة الفاشية ، واتخاذ المرأة فتنة وزينة ، والترف والرخاوة ، والتلهي بالنعيم . . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله ، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة ، كفرنسا وانجلترا كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض .

إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة ، واستعباد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها . . ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية .

والتفسير الإسلامي - بشمولة وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير . المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة ؛ ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود . . يبرز قدر الله من وراء كل شيء ؛ ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ؛ ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي . .

ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم{[28595]} بتحتم تعذيبهم{[28596]} ، أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة ، فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعاً وجنى{[28597]} من سوابغ النعم بما لم{[28598]} يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق{[28599]} أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلاً بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء ، فقال مقرراً منكراً موبخاً معجباً : { ألم يروا } ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلاً للخبر بقوله : { كم أهلكنا )

ولما كان المراد ناساً معينين لم يستغرقوا زمن القبل ، وهم أهل المكنة الزائدة كقوم نوح وهود وصالح ، أدخل الجار فقال : { من قبلهم } وبيَّنَ { كم } بقوله : { من قرن } أي جماعة مقترنين في{[28600]} زمان واحد ، وهم{[28601]} أهل كل مائة سنة - كما صححه القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام{[28602]} : " عش قرناً " ، فعاش مائة . {[28603]}هذا نهاية القرن ، والأقرب{[28604]} أنه لا يتقدر ، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل : انقضى القرن ، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله : { مكناهم } أي ثبتناهم بتقوية الأسباب{[28605]} من البسطة{[28606]} في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة{[28607]} في الأموال { في الأرض } أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة{[28608]} { ما لم نمكن } أي تمكيناً لم نجعله { لكم } أي نخصكم به ، فالآية من الاحتباك أو شبهه ، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس{[28609]} الحال ، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول و{[28610]} الفاضل ، ولا يُبقي اللبس التعبيرُ بالماضي{[28611]} في قوله { وأرسلنا السماء } أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب { عليهم } . ولما كان المراد المطر ، كان التقدير : حال كونه { مدراراً } أي ذا سيلان غزير{[28612]} متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر ، قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث .

ولما ذكر نفعهم بماء السماء ، وكان غير دائم ، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال : { وجعلنا الأنهار تجري } ولما كان عموم الماء بالأرض{[28613]} وبُعده مانعاً من تمام الانتفاع بها ، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال : { من تحتهم } أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نَبَعَ منها من{[28614]} الماء ما يجري منه نهر .

ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي ، فكان من أظهر الأشياء أنه غزر نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم ، فكثرت زروعهم وثمارهم ، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلاّ لهوانهم استدراجاً لهم بقوله مسبباً عن ذلك : { فأهلكناهم } أي بعظمتنا { بذنوبهم } أي التي كانت عن بطرهم{[28615]} النعمةَ ولم نبال بهم و{[28616]}لا أغنت{[28617]} عنهم نعمهم .

ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفاً من الاحتياج إلى مثله ، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال : { وأنشأنا } ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي فيما كانوا فيه { قرناً } ودل على أنه لم يُبق من المهلكين أحداً ، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع{[28618]} إليهم بنسب{[28619]} بقوله : { آخرين } ولم ينقص ملكُنا شيئاً ، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم ، وهذه الآية مثل آية الروم{ أو لم يسيروا في الأرض{[28620]} }[ الروم : 9 ] - الآية ، فتمكينهم{[28621]} هو المراد بالشدة هناك ، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة ، والإهلاكُ بالذنوب هو المراد بقوله{ فما كان الله ليظلمهم }[ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين .


[28595]:في ظ: بتحيتهم.
[28596]:في ظ: بتحيتهم.
[28597]:من ظ، وفي الأصل: جنى- كذا.
[28598]:من ظ، وفي الأصل: له.
[28599]:من ظ، وفي الأصل: نعق.
[28600]:سقط من ظ.
[28601]:زيد من ظ.
[28602]:وهو عبد الله بن بشر- كما في البحر المحيط 4/65.
[28603]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28604]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28605]:في ظ: الأشياء.
[28606]:في ظ: البسط.
[28607]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28608]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28609]:من ظ، وفي الأصل: لئلا يلبس.
[28610]:في ظ: من.
[28611]:في الأصل: بالماض، وفي ظ: لما مضى.
[28612]:في ظ: عظيم.
[28613]:من ظ: وفي الأصل: للأرض.
[28614]:زيد من ظ.
[28615]:في ظ: بطونهم.
[28616]:من ظ، وفي الأصل: اعتب- كذا.
[28617]:من ظ، وفي الأصل: اعتب- كذا.
[28618]:سقط من ظ.
[28619]:من ظ، وفي الأصل: مسبب.
[28620]:آية 9.
[28621]:من ظ، وفي الأصل: فتمكنهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

قوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } كم ، اسم للعدد في موضع نصب على المفعولية بأهلكنا وليس { يروا } لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما بعده{[1119]} والقرن ، يراد به هنا الجيل من الناس{[1120]} . وهذا تخويف وموعظة من الله للناس عسى أن يكفوا عن الإدبار والجحود ، فتصيخ قلوبهم للحق أو يلينوا لسماع القرآن الحكيم . فقد وعظهم الله وذكرهم بما حل بالأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم من الأمم السابقة الذين أعرضوا عن ملة التوحيد واستكبروا في الأرض بغير الحق فأصابهم من الوبال والخسران ما أصابهم فكانوا عبرة خالدة ماثلة لمن يعتبر .

قوله : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } أي جعلنا لهم فيها مكانا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والقدرات ما لم نجعل مثله لكم . أو أعطيناهم وجعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعل لكم يا أهل مكة .

قوله : { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } المراد بالسماء هنا المطر . وقيل : السحاب . والمدرار على وزن مفعال ، للمبالغة ومعناه المغزار ، كثير الصب .

قوله : { وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم } أي من تحت مساكنهم وأشجارهم . والمعنى أن هؤلاء الأقوام السابقين عاشوا في خصب وسعة ورخاء ؛ إذ كانوا في بيوتهم الآمنة المكينة وهم تحف بهم الأنهار والأشجار والثمار فعاشوا آمنين منعمين .

لكنهم لفسقهم وعتوهم وتكذيبهم لرسل الله أخذهم الله بالعذاب البئيس . فحقيق بكم أنتم يا أهل مكة ، وأنتم الأقل منهم حظا والأضعف منهم في الكثرة والسعة في الأموال والأجساد ، أن تتعضوا وترعووا لتثوبوا إلى الحق والامتثال لأمر الله .

قوله : { فأهلكناهم بذنوبهم } الفاء للتعقيب . أي فكفروا فأهلكناهم . والباء للسببية . أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب عتوهم واستكبارهم وما قارفوه من الذنوب والخطايا في حق النبيين والمرسلين ، إذ آذوهم وكذبوهم . فالذنوب سبب لزوال النعم وغير ذلك من وجوه الانتقام .

قوله : { وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } بعد أن أهلك الله أولئك الظالمين المكذبين أوجد بدلا منهم قوما آخرين . فالله تعالى لا يعجزه أن يهلك مثل هؤلاء المكذبين الجاحدين . وإنما يهلكهم إهلاكا ليأتي بآخرين بدلا منهم ، فاحذروا أنتم يا مشركي مكة أن يحل عليكم من الهلاك ما حاق بالسابقين من قبلكم بسبب جحودهم وتكذيبهم{[1121]} .


[1119]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 314.
[1120]:- المصباح المنير ج 2 ص 158.
[1121]:- روح المعاني ج 7 ص 92-95 وتفسير البيضاوي ص 169 والكشاف ج 2 ص 5.