وهو يشير في هذه الآية إلى موقف عبد الله بن أبي بن سلول ، وممن معه ، ويسميهم : " الذين نافقوا " . . وقد كشفهم الله في هذه الموقعة ، وميز الصف الإسلامي منهم . وقرر حقيقة موقفهم يومذاك : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) . . وهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين . فلم يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر ، وإنما هم : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) . . فقد كان في قلوبهم النفاق ، الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة ، وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها . فالذي كان برأس النفاق - عبد الله بن أبي - أن رسول الله [ ص ] لم يأخذ برأيه يوم أحد . والذي كان به قبل هذا أن قدومه [ ص ] إلى المدينة بالرسالة الإلهية حرمه ما كانوا يعدونه له من الرياسة فيهم ، وجعل الرياسة لدين الله ، ولحامل هذا الدين ! . . فهذا الذي كان في قلوبهم ، والذي جعلهم يرجعون يوم أحد ، والمشركون على أبواب المدينة ، وجعلهم يرفضون الاستجابة إلى المسلم الصادق عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو يقول لهم : ( تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) محتجين بأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا ! وهذا ما فضحهم الله به في هذه الآية :
ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد العامل{[19728]} لذلك ، وإشعاراً{[19729]} بأن أهل النفاق أسفل رتبة من{[19730]} أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال : { ولعلم الذين نافقوا } أي علماً تقوم{[19731]} به الحجة في مجاري عاداتكم ، وهذا مثل قوله هناك
{ وليبتلي الله ما في صدوركم }[ آل عمران : 154 ] . وعطف على قوله { نافقوا } ما أظهر نفاقهم ، أو يكون حالاً من فاعل { نافقوا } فقال : { وقيل لهم تعالوا قاتلوا } أي أوجدوا{[19732]} القتال { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه { أو ادفعوا } أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب { قالوا لو نعلم } أي نتيقن { قتالاً } أي أنه يقع قتال { لاتبعناكم } أي لكنه لا{[19733]} يقع فيما نظن{[19734]} قتال ورجعوا .
ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة{[19735]} بقوله : { هم للكفر يومئذ } أي يوم إذ كان هذا حالهم { أقرب منهم للإيمان } عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم ، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما{[19736]} هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين ، فقولهم إلى أصوات الحيوان{[19737]} أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم - : { يقولون بأفواههم } ولما أفهم هذا أنه{[19738]} لا يجاوز{[19739]} ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم ؛ صرح به في قوله { ما ليس في قلوبهم } بل لا شك عندهم في وقوع القتال ، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { أعلم } أي منهم { بما يكتمون * } أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه ، وإذا كان نسوه بتطاول{[19740]} الزمان والله{[19741]} سبحانه وتعالى لا ينساه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.