في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (163)

148

ويستطرد السياق في مواجهة أهل الكتاب - واليهود منهم في هذا الموضع خاصة - وموقفهم من رسالة محمد [ ص ] وزعمهم أن الله لم يرسله ، وتفريقهم بين الرسل ، وتعنتهم وهم يطلبون أمارة على رسالته : كتابا ينزله عليهم من السماء . . فيقرر أن الوحي للرسول ليس بدعا ، وليس غريبا ، فهو سنة الله في إرسال الرسل جميعا ، من عهد نوح إلى عهد محمد . وكلهم رسل أرسلوا للتبشير والإنذار ؛ اقتضت هذا رحمة الله بعبادة ، وأخذه الحجة عليهم ، وإنذاره لهم قبل يوم الحساب . . وكلهم جاءوا بوحي واحد ، لهدف واحد ؛ فالتفرقة بينهم تعنت لا يستند إلى دليل . . وإذا أنكروا هم وتعنتوا فإن الله يشهد - وكفى به شاهدا - والملائكة يشهدون .

( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ، وآتينا داود زبورا . ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ، وكلم الله موسى تكليما . . رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . وكان الله عزيزا حكيمًا ) . .

فهو إذن موكب واحد يتراءى على طريق التاريخ البشري الموصول ، ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير . . موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من بين البشر : نوح . وإبراهيم . وإسماعيل . وإسحاق . ويعقوب . والأسباط . وعيسى . وأيوب . ويونس . وهارون . وسليمان . وداود . وموسى . . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (163)

ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم{[23794]} الصلاة والسلام ، وكان من أحوالهم الوحي ، قال تعالى إبطالاً لشبهتهم القائلة{[23795]} : لو كان نبياً أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بالتوارة كذلك ، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة ، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة أحد منهم ولا رسالته : { إنا } ويصح أن يكون هذا تعليلاً ليؤمنون ، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا{[23796]} { أوحينا إليك كما } أي مثل ما { أوحينا إلى نوح } وقد آمنوا بما{[23797]} به لما أتى به من المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره ، لأن إثبات المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل ، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل آخر طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قِبَل الله تعالى قال : { والنبيِّين من بعده } أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف ، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة ، مع أن هذا الكتاب أبلغ ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع ، فهم إليه أميل ، وله أقبل ، وأما المطبوع على قلوبهم ، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة{[23798]} الحجاب ، حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء{[23799]} ، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان ، فأسرعوا إلى الكفر ، وبادروا بالذل والصغار ، وفي الآخرة بالسخط والنار .

ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبهاً على شرف من ذكرهم وشهرتهم : { وأوحينا إلى إبراهيم } أي أبيكم وأبيهم كذلك { وإسماعيل } أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم { وإسحاق } وهو ابنه الثاني وأبوهم { ويعقوب } أي ابن إسحاق { والأسباط } أي أولاد يعقوب .

ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل مَنْ قبلهم فصّل من بعدهم فقال : { وعيسى } أي الذي هو{[23800]} آخرهم من ذرية يعقوب { وأيوب } وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا { ويونس وهارون وسليمان } ولما كان المقام للتعظيم بالوحي ، {[23801]}وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال : { وآتينا داود زبوراً * } أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوباً من السماء .


[23794]:في ظ: الباطلة.
[23795]:زيد من ظ.
[23796]:سقط من ظ.
[23797]:في ظ: بشأنه.
[23798]:في ظ: غير.
[23799]:في ظ: حرم.
[23800]:في ظ: نفو ـ كذا.
[23801]:واستأنفت من هنا نسخة مد.