في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (123)

114

وبنفس الطريقة ، ولنفس الأسباب ، وعلى هذه القاعدة جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . . ليتم الابتلاء ؛ وينفذ القدر ؛ وتتحقق الحكمة ؛ ويمضي كل فيما هو ميسر له ، وينال كل جزاءه في نهاية المطاف :

( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) .

إنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية - وهي المدينة الكبيرة والعاصمة - نفر من أكابر المجرمين فيها ، يقفون موقف العداء من دين الله . ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس ، ومن الربوبية التي يتعبدون بها الناس ، ومن الحاكمية التي يستذلون بها الرقاب ، ويرد هذا كله إلى الله وحده . . رب الناس . . ملك الناس . . إله الناس . .

إنها سنة من أصل الفطرة . . أن يرسل الله رسله بالحق . . بهذا الحق الذي يجرد مدعي الألوهية من الألوهية والربوبية والحاكمية . فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله . ثم يمكرون مكرهم في القرى ، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى ، وفي نشر الباطل والضلال ، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي . .

إنها سنة جارية . ومعركة محتومة . لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين الله - وهي رد الحاكمية كلها لله - وبين أطماع المجرمين في القرى . بل بين وجودهم أصلاً . .

معركة لا مفر للنبي أن يخوضها ، فهو لا يملك أن يتقيها ، ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها . . والله سبحانه يطمئن أولياءه . . إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال - لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف . إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم فيها ، وهو حسبهم ، وهو يرد على الكائدين كيدهم :

( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) .

فليطمئن المؤمنون !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (123)

ولما كان معلوماً أن عداوتهم له صلى الله عليه وسلم المشار إليها بقوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً } الآية ، لا{[31042]} يقوم بها إلا أكابر الناس ، لما كان عليه{[31043]} صلى الله عليه وسلم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة{[31044]} الأقارب وأنه لا يتمادى عليها{[31045]} إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله ، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله : { وكذلك } أي مثل ما{[31046]} زينا للكافرين سوء أعمالهم ، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم { جعلنا } أي{[31047]} بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن { في كل قرية } أي بلد جامع ، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين ، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين ، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على{[31048]} تناهيهم في الكثرة فقال{[31049]} : { أكبر مجرميها } أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل .

ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه ، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر ، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعاً فيما عندهم ، وكان الإنسان كلما تمكن{[31050]} من ذلك أمعن فيه ، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله له ؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له ، فقال معبراً بالجعل لما فيه من التصيير{[31051]} والتسبيب{[31052]} : { ليمكروا فيها } أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا{[31053]} لهم حزب الله .

ولما كان ذلك موجعاً وغائظاً محزناً ، قال تصغيراً لشأنهم وتحقيراً لأمرهم : { وما } أي والحال أنهم ما{[31054]} { يمكرون إلا بأنفسهم } لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم ، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر{[31055]} بالله ، وذلك غير متأت ولا{[31056]} كائن بوجه من الوجوه ، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئاً من الغيب بمن يعلم جميع الغيب ! { وما يشعرون * } أي و{[31057]} ما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم ، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم ، وإنما أجرى{[31058]} سنته{[31059]} الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة ، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذاً لهم منادياً عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم{[31060]} - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقاً لقوله تعالى :

{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي{[31061]} }[ المجادلة : 21 ] { وإن جندنا لهم الغالبون{[31062]} }[ الصافات : 173 ] - في أمثال ذلك .


[31042]:سقط من ظ.
[31043]:سقط من ظ.
[31044]:من ظ، وفي الأصل: كثيرة.
[31045]:في ظ: عليهما.
[31046]:زيد من ظ.
[31047]:سقط من ظ.
[31048]:زيد ولا بد منه.
[31049]:زيد من ظ.
[31050]:من ظ، وفي الأصل: يمكن.
[31051]:في ظ: التقصير.
[31052]:من ظ، وفي الأصل: التسبب.
[31053]:في ظ: فيبادوا.
[31054]:زيد ولا بد منه.
[31055]:سقط من ظ.
[31056]:من ظ، وفي الأصل: إلا – كذا.
[31057]:زيد من ظ.
[31058]:زيد في ظ: تعالى.
[31059]:في ظ: سنة.
[31060]:من ظ، وفي الأصل: كرهتهم.
[31061]:سورة 58 آية 21.
[31062]:سورة 37 آية 173.