في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (24)

وهنا تكون التجربة الأولى قد تمت . وتكشف خصائص الإنسان الكبرى . وعرفها هو وذاقها . واستعد - بهذا التنبيه لخصائصه الكامنة - لمزاولة اختصاصه في الخلافة ؛ وللدخول في المعركة التي لا تهدأ أبداً مع عدوه . .

( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . قال : فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون ) . .

وهبطوا جميعا . . هبطوا إلى هذه الأرض . . ولكن أين كانوا ؟ أين هي الجنة ؟ . . هذا من الغيب الذي ليس عندنا من نبأ عنه إلا ما أخبرنا به من عنده مفاتح الغيب وحده . . وكل محاولة لمعرفة هذا الغيب بعد انقطاع الوحي هي محاولة فاشلة . وكل تكذيب كذلك يعتمد على مألوفات البشر اليوم و( علمهم ) الظني هو تبجح . فهذا " العلم " يتجاوز مجاله حين يحاول الخوض في هذا الغيب بغير أداة عنده ولا وسيلة . ويتبجح حين ينفي الغيب كله ، والغيب محيط به في كل جانب ، والمجهول في " المادة " التي هي مجاله أكثر كثيراً من المعلومات !

لقد هبطوا جميعاً إلى الأرض . . آدم وزوجه ، وإبليس وقبيله . هبطوا ليصارع بعضهم بعضاً ، وليعادي بعضهم بعضاً ؛ ولتدور المعركة بين طبيعتين وخليقتين : إحداهما ممحضة للشر ، والأخرى مزدوجة الاستعداد للخير والشر ؛ وليتم الابتلاء ويجري قدر الله بما شاء .

وكتب على آدم وذريته أن يستقروا في الأرض ؛ ويمكنوا فيها ، ويستمتعوا بما فيها إلى حين .

/خ25

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (24)

ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه ، أجيبت{[32088]} بقوله { قال اهبطوا } أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد ، وبعض أولادكم أعداء لبعض ، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده{[32089]} بالنقل ، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالإشارة إلى قبح مغبة{[32090]} المخالفة ولو مع التوبة ، وحث على دوام المراقبة خوفاً من سوء المعاقبة { ولكم في الأرض } أي جنسها { مستقر } أي موضع استقرار كالسهول{[32091]} وما شابهها { ومتاع إلى حين* } أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا .


[32088]:- من ظ، وفي الأصل: اجيب.
[32089]:- من ظ، وفي الأصل: بيده- كذا.
[32090]:- من ظ، وفي الأصل: معه.
[32091]:- من ظ، وفي الأصل: بالسهول.