في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (79)

والآن يعرض السياق لونا آخر من تصورات المنافقين للزكاة يخالفون به ذلك التصور الحق عند المؤمنين الصادقين ؛ ويكشف عن لون من طبيعة الغمز فيهم واللمز ، النابعين من طبعهم المنحرف المدخول :

( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ، والذين لا يجدون إلا جهدهم ، فيسخرون منهم . سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم ) . .

والقصة المروية عن سبب نزول هذه الآية ، تصور نظرة المنافقين المنحرفة لطبيعة الإنفاق في سبيل اللّه وبواعثه في النفوس .

أخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير ، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال : حث رسول اللّه - [ ص ] - على الصدقة [ يعني في غزوة تبوك ] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقال : يا رسول اللّه مالي ثمانية آلاف ، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها . فقال : " بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " . وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال : يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي . قال : فلمزه المنافقون ، وقالوا : ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء . وقالوا : ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ?

وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل ، وهو الذي بات يعمل ليحصل على صاعين أجرا له ، جاء بأحدهما لرسول اللّه - [ ص ] - إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه !

وهكذا تقولوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة عن طواعية نفس ، ورضا قلب ، واطمئنان ضمير ، ورغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته ، وكل على غاية جهده . ذلك أنهم لا يدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة . لا يدركون حساسية الضمير التي لا تهدأ إلا بالبذل عن طيب خاطر . لا يدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثاً ذاتياً ، لتلبي دواعي الإيمان والتضحية والمشاركة . من أجل هذا يقولون عن المكثر : إنه يبذل رياء ، وعن المقل ! إنه يذكر بنفسه . يجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيراً ، ويحتقرون صاحب القليل لأنه يبذل القليل . فلا يسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين . ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي شحيحو الأنفس ، لا ينفقون إلا رياء ، ولا يدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير .

ومن ثم يجبههم الرد الحاسم الجازم :

سخر اللّه منهم ولهم عذاب اليم . .

ويا لهولها سخرية . ويالهولها عاقبة . فمن شرذمة صغيرة هزيلة من البشر الضعاف الفانين وسخرية الخالق الجبار تنصب عليهم وعذابه يترقبهم ? ! ألا إنه للهول المفزع الرهيب !

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (79)

يلمزون : يعيبون .

المطوعين : المتطوعين وهم الذين يؤدون ما يزيد على الفريضة . جهدهم : طاقتهم .

بعد أن ذَكر الله بُخلَ المنافقين وشُحَّهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على أن يتصدّقوا إذا رَزقَهم من فضله ، عَرَضَ هنا لوناً آخر من رأي المنافقين في الزكاة ، وكشَفَ عن الغمز واللّمزِ النابعَين عن طبعهم المنحرف .

{ الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } .

من نقائص هؤلاء المنافقين علاوة على بُخلم أنهم يَعيبون على الموسِرين من المؤمنين تصدُّقَهم على المحتاجين .

روى ابن جرير عن عكرمة قال : ( حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، فجاء عبدُ الرحمن ابن عوف بأربعة آلافٍ ، وقال :

يا رسول الله : مالي ثمانيةُ آلاف ، جئتكم بنصفِها وأمسكت نصفها . فقال : «باركَ الله لك فيما أمسكتَ فيما أعطيت » . وتصدق عاصِمُ بن عديّ بمائة وسَقْ وثلاثمائةٍ وعشرين رِطلاً من تمر ، وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر ، قال : فلمزه المنافقون وقالوا : ما الذي أعطى ابنُ عوف إلا رياء . وقالوا : ألم يكنْ الله ورسوله غنيَّين عن صاع هذا ! ! ؟ ) .

{ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .

ولذلك يلمزون الذين لا يجِدون إلا طاقتَهم من فقراء المسلمين ، ويسخَرون منهم لأنهم تصدّقوا بالقليل الذي وجدوه وقَدَروا عليه ، جازاهم الله على سخريتهم بما كشف من فضائحهم ، وجعلَهم سخريةً للناس أجمعين ، ولهم في الآخرة عذابٌ شديد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (79)

قوله تعالى : " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات " هذا أيضا من صفات المنافقين . قال قتادة : " يلمزون " يعيبون . قال : وذلك أن عبدالرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله ، وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف . فقال قوم : ما أعظم رياءه ، فأنزل الله : " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات " . وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة{[8178]} من تمره فقالوا : ما أغنى الله عن هذا ، فأنزل الله عز وجل " والذين لا يجدون إلا جهدهم " الآية . وخرج مسلم عن أبي مسعود قال : أمرنا بالصدقة - قال : كنا نحامل{[8179]} ، في رواية : على ظهورنا - قال : فتصدق أبو عقيل بنصف صاع . قال : وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا ، وما فعل هذا الآخر إلا رياء : فنزلت " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم " . يعني أبا عقيل ، واسمه الحبحاب . والجهد : شيء قليل يعيش به المقل . والجُهد والجَهد بمعنى واحد . وقد تقدم{[8180]} . و " يلمزون " يعيبون . وقد تقدم . و " المطوعين " أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء ، وهم الذين يفعلون الشيء تبرعا من غير أن يجب عليهم . " والذين " في موضع خفض عطف على " المؤمنين " . ولا يجوز أن يكون عطفا على الاسم قبل تمامه . " فيسخرون " عطف على " يلمزون " . " سخر الله منهم " خبر الابتداء ، وهو دعاء عليهم . وقال ابن عباس : هو خبر ، أي سخر منهم حيث صاروا إلى النار . ومعنى سخر الله مجازاتهم على سخريتهم . وقد تقدم في " البقرة{[8181]} " .


[8178]:الصبرة (بالضم): ماجمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض .
[8179]:معناه: نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة أو نتصدق بها كلها.
[8180]:راجع ج 7 ص 62.
[8181]:راجع ج 3 ص 29.