في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

25

وعند هذا المقطع من قصة نوح ، يلتفت السياق لفتة عجيبة ، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة ، التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسول [ ص ] ودعواهم أن محمدا يفتري هذا القصص . فيرد هذا القول قبل أن يمضي في استكمال قصة نوح :

( أم يقولون افتراه ؟ قل : إن افتريته فعلي إجرامي ، وأنا بريء مما تجرمون ) . .

فالافتراء إجرام ، قل لهم : إن كنت فعلته فعلي تبعته ، وأنا أعرف إنه إجرام فمستبعد أن أرتكبه ، وأنا بريء مما تجرمون من تهمة الافتراء إلى جوار غيرها من الشرك والتكذيب .

وهذا الاعتراض لا يخالف سياق القصة في القرآن ، لأنها إنما جاءت لتأدية غرض من هذا في السياق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

قوله تعالى : " أم يقولون افتراه " يعنون النبي صلى الله عليه وسلم . افترى افتعل ، أي اختلق القرآن من قبل نفسه ، وما أخبر به عن نوح وقومه ، قاله مقاتل . وقال ابن عباس : ( هو من محاورة نوح لقومه ) وهو أظهر ؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه ، فالخطاب منهم ولهم . " قل إن افتريته " أي اختلقته وافتعلته ، يعني الوحي والرسالة . " فعلي إجرامي " أي عقاب إجرامي ، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي . والإجرام مصدر أجرم ، وهو اقتراف السيئة . وقيل المعنى{[8672]} : أي جزاء جرمي وكسبي . وجرم وأجرم بمعنى ، عن النحاس وغيره . قال{[8673]} :

طريدُ عشيرة ورَهِين جُرْم*** بما جَرَمَتْ يدي وجَنَى لساني

ومن قرأ " أجرامي " بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جُرْم ، وذكره النحاس أيضا . " وأنا بريء مما تجرمون " أي من الكفر والتكذيب .


[8672]:من ع و ي.
[8673]:البيت للهيردان السعدي أحد لصوص بني سعد. (اللسان).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

قوله تعالى : { أم يقولن افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون } { أم } ، بمعنى بل والهمزة و { افتراه } من الافتراء وهو الاختلاق{[2085]} و { إجرامي } ، من الإجرام وهي الجناية ، أجرم : ارتكب جرما ؛ وجرم جرما أي ذنب ، واجترم الذنب : أي كسبه أو ارتكبه .

واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية ، فقد قيل : إنها حكاية عن تكذيب المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ قالوا إن هذا القرآن قد افتراه محمد ! فأنكر الله مقالتهم بقوله : { أم يقولن افتراه } .

وقيل : الآية تحكي خبر المحاججة بين نوح وقومه ؛ إذ قالوا ، إن ما جاءهم به نوح مفترى . قال ابن عباس في ذلك : هو من محاورة نوح لقومه وهذا أظهر القولين ؛ لأنه ليس قبل ذلك ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه ، فالخطاب منهم ولهم . ثم أمر الله نوحا أن يرد مقالتهم { قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون } أي قل لهم : إن كان ما أقوله لكم اختلافا مني وتخريصا ؛ فعلي إثمي فيما أفتريه على ربي ، ولا تؤاخذون أنتم بذنبي ولا إثمي ، ولست أنا مؤاخذا بذنبكم ؛ بل أنا برئ مما تذنبون وتأثمون{[2086]} .


[2085]:مختار الصحاح ص 502 والمعجم الوسيط جـ 1 ص118.
[2086]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 29 وفتح القدير جـ 2 ص 497.