( الذين إن مكناهم في الأرض ) . . فحققنا لهم النصر ، وثبتنا لهم الأمر . . ( أقاموا الصلاة ) . . فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به ، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين . . ( وآتوا الزكاة ) . . فأدوا حق المال ، وانتصروا على شح النفس ، وتطهروا من الحرص ، وغلبوا وسوسة الشيطان ، وسدوا خلة الجماعة ، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ، وحققوا لها صفة الجسم الحي - كما قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " . .
( وأمروا بالمعروف ) . . فدعوا إلى الخير والصلاح ، ودفعوا إليه الناس . . ( ونهوا عن المنكر ) . . فقاوموا الشر والفساد ، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره ، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه . .
هؤلاء هم الذين ينصرون الله ، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة ، معتزين بالله وحده دون سواه . وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين .
فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته . المشروط بتكاليفه وأعبائه . . والأمر بعد ذلك لله ، يصرفه كيف يشاء ، فيبدل الهزيمة نصرا ، والنصر هزيمة ، عندما تختل القوائم ، أو تهمل التكاليف : ( ولله عاقبة الأمور ) . .
إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة . من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح . المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات ، والمطامع والشهوات . .
وهو نصر له سببه . وله ثمنه . وله تكاليفه . وله شروطه . فلا يعطى لأحد جزافا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه . .
قال الزجاج : " الذين " في موضع نصب ردا على " من " ، يعني في قوله : " ولينصرن الله من ينصره " . وقال غيره : " الذين " في موضع خفض ردا على قوله : " أذن للذين يقاتلون " ويكون " الذين إن مكناهم في الأرض " أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأرض غيرهم . وقال ابن عباس : ( المراد المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان ) . وقال قتادة : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقال عكرمة : هم أهل الصلوات الخمس . وقال الحسن وأبو العالية : هم هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة . وقال ابن أبي نجيح : يعني الولاة . وقال الضحاك : هو شرط شرطه الله عز وجل على من أتاه الملك ، وهذا حسن . قال سهل بن عبد الله : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه . وليس على الناس أن يأمروا السلطان ؛ لأن ذلك لازم له واجب عليه ، ولا يأمروا العلماء فإن الحجة قد وجبت عليهم .
قوله تعالى : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ( 41 ) } ( الذين ) ، صفة للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق . وقيل : في موضع نصب على البدل من قوله : ( من ينصره ) {[3128]} وهذا إخبار من الله تعالى ، بأنه إن مكّن لعباده المؤمنين في الأرض فجعل لهم الغلبة والسلطان ، لم يفرطوا في دينهم وما عليهم من واجبات مفروضة . بل إنهم ظلوا على طريق الله ومنهجه المستقيم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر . وهكذا يكون المؤمنون الصادقون الأوفياء ، المؤمنون المخلصون الأتقياء ، الذين لا تفتنهم الحياة الدنيا بزهرتها وزينتها ولا يغرهم بالله الغرور . فهم إن خوّلهم الله العزة والسلطنة والتمكين ؛ فإنهم لا يذهلون عن دينهم ولا ينفتلون عن شريعة ربهم ليتيهوا في مباهج الدنيا وحطامها الزائل . بل إنهم لا يبرحون الإذعان لله وحده ، والانقياد لأحكامه وأوامره ، ودوام الانزجار عن مناهيه وزواجره ( ولله عاقبة الأمور ) إلى الله تؤول المصائر كلها فيجزي المؤمنين ثواب ما صنعوا{[3129]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.