ويجيء الضمير في قوله : " ثم جعلناه " عائدا على ابن آدم ، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر ، فإن المعنى لا يصلح إلا له . نظير ذلك " حتى توارت بالحجاب " {[11624]}[ ص : 32 ] . وقيل : المراد بالسلالة ابن آدم ، قاله ابن عباس وغيره . والسلالة على هذا صفوة الماء ، يعني المني . والسلالة فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء ؛ يقال : سللت الشعر من العجين ، والسيف من الغمد فانسل ، ومنه قوله :
فسُلِّي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلِ{[11625]}
فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة ، عُني به الماء يسل من الظهر سلا . قال الشاعر :
فجاءت به عَضْبَ الأديم غَضَنْفَرًا *** سلالةَ فرجٍ كان غيرَ حصين{[11626]}
وما هندُ إلا مُهْرَةٌ عربيةٌ *** سليلةُ أفراس تجلَّلَها بغلُ{[11627]}
وقوله " من طين " أي أن الأصل آدم وهو من طين .
قلت : أي من طين خالص ، فأما ولده فهو من طين ومني ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام{[11628]} . وقال الكلبي : السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك ، فالذي يخرج هو السلالة .
ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه الطهورين ، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط ، لأن الخلق - كما مر عن الحرالي في أول البقرة : تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة ، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين إنسان ، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين : الماء الذي منه كل شيء حي ، معبراً عنه بالجعل لأنه كما مر أيضاً إظهار أمر سبب وتصيير ، وما هو من الطين مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له ، وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جداً فقال : { ثم جعلناه } أي الطين أو هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف الوضع { نطفة } اي ماء دافقاً لا أثر للطين فيه { في قرار } أي من الصلب والترائب ثم الرحم ، مصدر جعل اسماً للموضع { مكين* } أي مانع من الأشياء المفسدة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.