( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) . . تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله ، فتسكن وتخشع ، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات . ويغشى أرواحهم جلال الله في حضرته ، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل ، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغولون بنجواه . ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم ، فلا يشهدون إلا الله ، ولا يحسون إلا إياه ، ولا يتذوقون إلا معناه . ويتطهر وجدانهم من كل دنس ، وينفضون عنهم كل شائبة ؛ فما يضمون جوانحهم على شيء من هذا مع جلال الله . . عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها ، وتجد الروح الحائرة طريقها ، ويعرف القلب الموحش مثواه . وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها بالله .
الثانية-قوله تعالى : " خاشعون " روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية " الذين هم في صلاتهم خاشعون " . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد . وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى : " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " ، فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم . وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في " البقرة " عند قول " فول وجهك شطر المسجد الحرام " [ البقرة : 144 ] . وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى : " وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " {[11610]} [ البقرة : 45 ] . والخشوع محله القلب ، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ؛ إذ هو ملكها ، حسبما بيناه أول البقرة . وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا . وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة . وأبصر صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : ( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ) . وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم . ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى " . رواه الترمذي . وقال الشاعر :
ألا في الصلاة الخيرُ والفضل أجمع *** لأن بها الآرابُ{[11611]} لله تخضع
وأول فرضٍ من شريعة ديننا *** وآخرُ ما يبقى إذا الدين يُرفع
فمن قام للتكبير لاقته رحمة *** وكان كعبدٍ بابَ مولاه يقرع
وصار لرب العرش حين صلاته *** نجيا فياطوباه لو كان يخشع
وروى أبو عمر{[11612]} أن الجوني قال : قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أتقرؤون سورة المؤمنين ؟ قيل نعم . قالت : اقرؤوا ، فقرئ عليها " قد أفلح المؤمنون - حتى بلغ - يحافظون " . وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره . وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل : ثم أصلي قريبا منه - يعني من النبي صلى الله عليه وسلم - وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، وإذا التفت نحوه أعرض عني . . . الحديث ، ولم يأمره بإعادة .
الثالثة : اختلف الناس في الخشوع ، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين . والصحيح الأول ، ومحله القلب ، وهو أول علم يرفع من الناس ، قاله عبادة بن الصامت . رواه الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء ، وقال : هذا حديث حسن غريب . وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة{[11613]} . قال أبو عيسى : ومعاوية{[11614]} بن صالح ثقة عند أهل الحديث ، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان .
قلت : معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس ، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال : صالح الحديث ، كتب حديثه ولا يحتج به . واختلف فيه قول يحيى بن معين ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدي أحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي ، واحتج به مسلم في صحيحه .
ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في الإيمان فقال : { الذين هم } أي بضمائرهم وظواهرهم { في صلاتهم } أضيفت إليهم ترغيباً لهم في حفظها ، لأنها بينهم وبين الله تعالى ، وهو غني عنها ، فهم المنتفعون بها { خاشعون* } أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنَهم وظواهرهم على ما هم فيه ؛ قال الرازي : خائفون خوفاً يملأ القلب حرمة ، والأخلاق تهذيباً ، والأطراف تأديباً ، أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم ، ومن ذلك خفض البصر إلى موضع السجود ، قال الرازي : فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب ، وإذا التفت أرخى ، قال : وهو خوف ممزوج بتيقظ واستكانة ، ثم قد يكون في المعاملة إيثاراً ومجاملة و إنصافاً ومعدلة ، وفي الخدمة حضوراً واستكانة . وفي السر تعظيماً وحياء وحرمة ، والخشوع في الصلاة بجمع الهمة لها ، والإعراض عما سواها ، وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء ، وإذا كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات . فهم به فيما سواها أولى . قال ابن كثير : والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها ، واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين " وجعلت قرة عيني في الصلاة " رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه " يا بلال ! أرحنا بالصلاة " - رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.