ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى :
( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) . .
فهم يستقبلون رزق الله بالفرح ؛ لأنهم يدركون أنه " من فضله " عليهم . فهو دليل رضاه وهم قد قتلوا في سبيل الله . فأي شيء يفرحهم إذن أكثر من رزقه الذي يتمثل فيه رضاه ؟
ثم هم مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم ؛ وهم مستبشرون لهم ؛ لما علموه من رضى الله عن المؤمنين المجاهدين :
( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل ، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) .
إنهم لم ينفصلوا من إخوانهم ( الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) ولم تنقطع بهم صلاتهم . إنهم " أحياء " كذلك معهم ، مستبشرون بما لهم في الدنيا والآخرة . موضع استبشارهم لهم : ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .
و " فرحين " نصب في موضع الحال من المضمر في " يرزقون " ويجوز في الكلام " فرحون " على النعت لأحياء . وهو من الفرح بمعنى السرور . والفضل في هذه الآية هو النعيم المذكور . وقرأ ابن السميقع " فارحين " بالألف وهما لغتان ، كالفره والفاره ، والحذر والحاذر ، والطمع والطامع ، والبخل والباخل . قال النحاس : ويجوز في غير القرآن رفعه ، يكون نعتا لأحياء .
قوله تعالى : " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم " المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل ، وإن كان لهم فضل . وأصله من البشرة{[3695]} ؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه . وقال السدي . : يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه ، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا . وقال قتادة وابن جريح والربيع وغيرهم : استبشارهم بأنهم يقولون : إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم ، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه ؛ فيسرون ويفرحون لهم بذلك . وقيل : إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا ، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليهم ، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله ، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . ذهب إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك .
{ فرحين بما آتاهم الله } أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير { من فضله } لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف{[19762]} جميع أعمالهم بها{[19763]} لأن أعمالهم من نعمه{[19764]} ، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية{[19765]} وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع{[19766]} لأحد في بقائها وإن طال المدى ، وبقيت لهم حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره ، فلا غفلة{[19767]} لهم ، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم ، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة ، أي أنهم ليست لهم حال غيبة ، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك .
ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال : { ويستبشرون } أي توجد{[19768]} لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما{[19769]} أرادوا { بالذين لم يلحقوا بهم } أي في الشهادة في هذه الغزوة . ثم بين ذلك بقوله : { من خلفهم } أي في الدنيا . ثم يبن المبشر به فقال : { ألاّ خوف عليهم } أي على إخوانهم في آخرتهم { ولا هم يحزنون * } أي أصلاً ، لأنه لا يفقد منه شيء ، بل هم كل لحظة في زيادة ، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين ، لأنهم يلحقونهم{[19770]} في مثل ذلك ، لأن السبب واحد ، وهو منحة{[19771]} الله لهم{[19772]} بالقتل فيه ، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.