( والذين هاجروا في سبيل الله ، ثم قتلوا أو ماتوا ، ليرزقنهم الله رزقا حسنا ، وإن الله لهو خير الرازقين . ليدخلنهم مدخلا يرضونه ، وإن الله لعليم حليم ) . .
والهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس ، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه : الأهل والديار والوطن والذكريات ، والمال وسائر أعراض الحياة . وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان الله ، وتطلعا إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعا .
والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية . أما بعد الفتح فلم تعد هجرة . ولكن جهاد وعمل - كما قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فمن جاهد في سبيل الله وعمل كان له حكم الهجرة ، وكان له ثوابها . .
( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) . . سواء لاقوا الله شهداء بالقتل ، أو لاقوه على فراشهم بالموت . فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير ، واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق ، وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا لله . فتكفل الله لهم بالعوض الكريم عما فقدوه : ( ليرزقنهم الله رزقا حسنا ، وإن الله لهو خير الرازقين ) . . وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا .
أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا على سائر الموتى .
وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس : من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه ، فنزلت هذه الآية مسوية بينهم ، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا . وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل . وقد قال بعض أهل العلم : إن المقتول في سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد ، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله . وقال بعضهم : هما سواء ، واحتج بالآية ، وبقوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " {[11579]} [ النساء : 100 ] ، وبحديث أم حرام ، فإنها صرعت عن دابتها فماتت ولم تقتل فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنت من الأولين ) ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عتيك : ( من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قعصا{[11580]} فقد استوجب المآب ) . وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب في غزاة بمنجنيق فمات والآخر مات هناك ؛ فجلس فضالة عند الميت فقيل له : تركت الشهيد ولم تجلس عنده ؟ فقال : ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، ثم تلا قوله تعالى : " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا " الآية كلها . وقال سليمان بن عامر : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى ، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته ، فقال : أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل ! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، اقرؤوا قوله تعالى : " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا " . كذا ذكره الثعلبي في تفسيره ، وهو معنى ما ذكره ابن المبارك . واحتج من قال : إن للمقتول زيادة فضل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الجهاد أفضل ؟ قال : ( من أهريق دمه وعقر جواده ) . وإذا كان من أهريق دمه وعقر جواده أفضل الشهداء علم أنه من لم يكن بتلك الصفة مفضول . قرأ ابن عامر وأهل الشام " قتلوا " بالتشديد على التكثير . الباقون بالتخفيف .
{ قتلوا أو ماتوا } روي : أن قوما قالوا : يا رسول الله قد علمنا ما أعطى الله لمن قتل من الخيرات ، فما لمن مات معك ، فنزلت الآية معلمة أن الله يرزق من قتل ومن مات معا ، ولا يقتضي ذلك المساواة بينهم لأن تفضيل الشهداء ثابت .
{ رزقا حسنا } يحتمل أن يريد به الرزق في الجنة بعد يوم القيامة ، أو رزق الشهداء في البرزخ ، والأول أرجح ، لأنه يعم الشهداء والموتى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.