في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} (6)

ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون ؛ ويقدر غير ما يقدر الطاغية . والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم ، فينسون إرادة الله وتقديره ؛ ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون . ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون .

والله يعلن هنا إرادته هو ، ويكشف عن تقديره هو ؛ ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما ، بأن احتياطهم وحذرهم لن يجديهم فتيلا :

( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ، ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) .

فهؤلا ء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير ، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويسومهم سوء العذاب والنكال . وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه ؛ فيبث عليهم العيون والأرصاد ، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار ! هؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد ؛ وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيدا ولا تابعين ؛ وأن يورثهم الأرض المباركة [ التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح ] وأن يمكن لهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين . وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما ، وما يتخذون الحيطة دونه ، وهم لا يشعرون !

هكذا يعلن السياق قبل أن يأخذ في عرض القصة ذاتها . يعلن واقع الحال ، وما هو مقدر في المآل . ليقف القوتين وجها لوجه : قوة فرعون المنتفشة المنتفخة التي تبدو للناس قادرة على الكثير . وقوة الله الحقيقية الهائلة التي تتهاوى دونها القوى الظاهرية الهزيلة التي ترهب الناس !

ويرسم بهذا الإعلان مسرح القصة قبل أن يبدأ في عرضها . والقلوب معلقة بأحداثها ومجرياتها ، وما ستنتهي إليه ، وكيف تصل إلى تلك النهاية التي أعلنها قبل البدء في عرضها .

ومن ثم تنبض القصة بالحياة ؛ وكأنها تعرض لأول مرة ، على أنها رواية معروضة الفصول ، لا حكاية غبرت في التاريخ . هذه ميزة طريقة الأداء القرآنية بوجه عام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ} (6)

قوله تعالى : " ونمكن لهم في الأرض " أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يُستولى عليها ، يعني أرض الشام ومصر " ونري فرعون وهامان وجنودهما " أي ونريد أن نري فرعون وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف : " ويرى " بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى " فرعون وهامان وجنودهما " رفعا لأنه الفاعل الباقون " نري " بضم النون وكسر الراء على أنه فعل وباعي من أري يري ، وهي علي نسق الكلام ؛ لأن قبله " ونريد " وبعده " ونمكن " " فرعون وهامان وجنودهما " نصبا بوقوع الفعل ، وأجاز الفراء " ويُرِيَ فرعون " بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء ويري الله فرعون " منهم ما كانوا يحذرون " وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل " منهم " فأراهم الله " ما كانوا يحذرون " قال قتادة : كان حازيا لفرعون والحازي المنجم قال إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك ، فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة وقد تقدم .