ثم يوجههم إلى الاستغفار والتوبة . ويكرر السياق التعبير ذاته الذي ورد في أول السورة على لسان خاتم الأنبياء ، ويعدهم هود ويحذرهم ما وعدهم محمد وحذرهم بعد ذلك بآلاف السنين :
( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم . ولا تتولوا مجرمين ) . .
استغفروا ربكم مما أنتم فيه ، وتوبوا إليه فابدأوا طريقا جديدا يحقق النية ويترجمها إلى عمل يصدق النية . .
( يرسل السماء عليكم مدرارا ) . .
وكانوا في حاجة إلى المطر يسقون به زروعهم ودوابهم في الصحراء ، ويحتفظون به بالخصب الناشئ من هطول الأمطار في تلك البقاع .
مرتكبين لجريمة التولي والتكذيب .
وننظر في هذا الوعد . وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة . وهي أمور تجري فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود ، من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال . فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة ؟
فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور ، بل واقع مشهود ، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة . يزيدانهم صحة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والاطمئنان إلى الله والثقة برحمته في كل آن ؛ ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحرارا كراما لا يدينون لغير الله على قدم المساواة بينهم أمام قهار واحد تعنو له الجباه . . كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض ؛ غير مشغولين ولا مسخرين بمراسم التأليه للأرباب الأرضية وإطلاق البخور حولها ودق الطبول ، والنفخ فيها ليل نهار لتملأ فراغ الإله الحق في فطرة البشر !
والملحوظ دائما أن الأرباب الأرضية تحتاج ويحتاج معها سدنتها وعبادها أن يخلعوا عليها بعض صفات الألوهية من القدرة والعلم والإحاطة والقهر والرحمة . . أحيانا . . كل ذلك ليدين لها الناس ! فالربوبية تحتاج إلى ألوهية معها تخضع بها العباد ! وهذا كله يحتاج إلى كد ناصب من السدنة والعباد وإلى جهد ينفقه من يدينون لله وحده في عمارة الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها ، بدلا من أن ينفقه عباد الأرباب الأرضية في الطبل والزمر والتراتيل والتسابيح لهذه الأرباب المفتراة !
ولقد تتوافر القوة لمن لا يحكمون شريعة الله في قلوبهم ولا في مجتمعهم ، ولكنها قوة إلى حين . حتى تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة الله ، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين . إنما استندت إلى جانب واحد من السنن الكونية كالعمل والنظام ووفرة الإنتاج . وهذه وحدها لا تدوم . لأن فساد الحياة الشعورية والاجتماعية يقضي عليها بعد حين .
فأما إرسال المطر . مدرارا . فالظاهر للبشر أنه يجري وفق سنن طبيعية ثابتة في النظام الكوني . ولكن جريان السنن الطبيعية لا يمنع أن يكون المطر محييا في مكان وزمان ، ومدمرا في مكان وزمان ؛ وأن يكون من قدر الله أن تكون الحياة مع المطر لقوم ، وأن يكون الدمار معه لقوم ، وأن ينفذ الله تبشيره بالخير ووعيده بالشر عن طريق توجيه العوامل الطبيعية ؛ فهو خالق هذه العوامل ، وجاعل الأسباب لتحقيق سنته على كل حال . ثم تبقى وراء ذلك مشيئة الله الطليقة التي تصرف الأسباب والظواهر بغير ما اعتاد الناس من ظواهر النواميس وذلك لتحقيق قدر الله كيفما شاء . حيث شاء . بالحق الذي يحكم كل شيء في السماوات والأرض غير مقيد بما عهده الناس في الغالب .
مدرارا : كثيرة الدر ، يقال : درت السماء تدر درا . أي : أمطرت .
52 { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } .
كانت عاد أصحاب زروع وماشية وقوة ، وكانوا في أمس الحاجة إلى المطر ؛ لتشرب ماشيتهم وزراعتهم وقبيلتهم ، وذكر المفسرون : 45 أن الله تعالى عاقبهم بحبس المطر فاشتكوا ؛ فأرشدهم هود إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى ، والرجوع إليه مع الإيمان الكامل والإخلاص في التوحيد .
والمعنى : عبدوا الله تائبين إليه ، نادمين على ما فرط منكم طالبين للمغفرة ، فإذا فعلتم ذلك ؛ أرسل الله عليكم المطر متتابعا ، وزادكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد ، وعزا إلى عزكم .
{ ولا تتولوا مجرمين } : ولا تعرضوا عن دعوتي مصرين على آثامكم وإجرامكم .
نلمح في هذه الآية : ما كانت تتمتع به عاد من قوة وبأس ، وبسطة في الجسم والرزق ، وتفيد آيات أخرى هذا المعنى ، قال تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } . ( فصلت : 15 ) .
وقال سبحانه : { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ و َأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } . ( الشعراء : 127 135 ) .
{ و ياقوم استغفروا رَبَّكُمْ } من الشرك { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها ، وقيل : الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه ، وحيث أن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل : { ثُمَّ تُوبُواْ } فكأنه قيل : آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة غيره ، وتعقب بأن قوله سبحانه : { اعْبُدُواْ الله } [ هود : 50 ] دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل { استغفروا } على ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه ، وقد كان يمكن تعليقه بالأول ، والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله تعالى المعجز ، وقيل : المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة عما صدر منهم غير الشرك ، وأورد عليه أيضاً أن الإيمان يحبّ ما قبله ، وقيل : المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان . وبالثاني التوسل إليه سبحانه بالتوبة عن الشرك ، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به { ثُمَّ } وقيل : وقيل وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة .
{ يُرْسِلِ السماء } أي المطر كما في قوله
: إذا ( نزل السماء ) بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا {
عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } كثير الدر متتابعة من غير إضرار فمفعال للمبالغة كمعطار . ومقدام .
{ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } أي عزاً مضموماً إلى عزكم أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى : { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } [ نوح : 12 ] لأن العز الدنيوي بذلك ، وعن الضحاك تفسير القوة بالخصب ، وعن عكرمة تفسيرها بولد الولد ، وقيل : المراد بها قوة الجسم ، ورغبهم عليه السلام بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات ، وقيل : حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل ، وقيل : القوة الأولى في الإيمان . والثانية في الأبدان أي يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه { مُّجْرِمِينَ } مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام ، وقيل : مجرمين بالتولي وهو تكلف .
{ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عما مضى منكم { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما تستقبلونه ، بالتوبة النصوح ، والإنابة إلى الله تعالى .
فإنكم إذا فعلتم ذلك { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض ، ويكثر خيرها .
{ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } فإنهم كانوا من أقوى الناس ، ولهذا قالوا : { من أشد منا قوة } ؟ ، فوعدهم أنهم إن آمنوا ، زادهم قوة إلى قوتهم .
{ وَلَا تَتَوَلَّوْا } عنه ، أي : عن ربكم { مُجْرِمِينَ } أي : مستكبرين عن عبادته ، متجرئين على محارمه .